|
من المتعارف عليه أن أدوات ووسائل السياسة الخارجية للدول تختلف باختلاف أهداف تلك السياسات، فنجدها عند بعض الدول ترتكز على الدبلوماسية بينما يرتكز بعضها الآخر على المساعدات الخارجية، بيد أن خيار الحرب كأداة من أدوات السياسة الخارجية يتم اتخاذه كورقة أخيرة بعد أن تستنفذ كل الخيارات المتاحة ويصبح الأمن القومي للدولة في خطر واضح.

وفي المثال السعودي فإن خيار الإرهاب والذي هو أخطر من خيار الحرب نفسه لما يجره معه من ويلات تطال المواطنين الأبرياء والعزل؛ يعتبر ذا أولوية ضمن أدوات السياسة الخارجية لآل سعود.
نسوق ذلك بعد أن تحوّلت قضية صفقة الأسلحة المشبوهة والمعروفة باسم «صفقة اليمامة»، من قضية «رشوة» إلى تهديد أمن دولة، بعدما كشفت وثائق سريّة بريطانية أن الأمير بندر بن سلطان، الذي يشغل أمين مجلس الأمن القومي لآل سعود قد هدّد الحكومة البريطانية بتصدير الإرهابيين لشنّ هجمات فوق أراضيها ما لم تغلق حكومة لندن ملف التحقيق في رشاوى صفقة اليمامة والتي اتهم فيها بندر نفسه بتلقي رشاوى بالمليارات.
وذكرت صحيفة «الغارديان» البريطانية، الصادرة خلال اليومين الماضيين، أنّ تلك الوثائق ظهرت إلى العلن خلال جلسة المحكمة العليا للاستماع إلى قضية صفقة الأسلحة.
وتشير الوثائق، التي كشف عنها للمرة الأولى، إلى أن المحققين البريطانيين تلقّوا تهديداً، خلال زيارة بندر إلى لندن، بأنّهم سيواجهون «7/7 آخر» (في إشارة إلى هجمات 7 يوليو 2005 في العاصمة البريطانية)، وقتل «البريطانيين في الشوارع»، إذا استمرت تحقيقاتهم.
وكشفت الوثائق أنه بعد أيام بعد زيارة بندر، وجّه رئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير رسالة خطية إلى المدّعي العام غولد سميث، حيث أُجبر بعدها مكتب التحقيقات الخطيرة البريطاني على وقف تحقيقه» في الرشاوى المتعلقة بالصفقة.
وأشارت أيضا إلى أنّ مكتب التحقيقات حذر في حينها المدّعي العام البريطاني من مغبّة إغلاق التحقيق، ومن إمكان انتقاله إلى الولايات المتحدة أو سويسرا، وقد أثبتت هذه التنبؤات صدقيتها في ما بعد.
وذكرت المحكمة العليا، التي عقدت جلستها للنظر في الالتماس الذي تقدّمت به منظمات بريطانية اعتراضاً على قرار بلير، أنّ الأمير بندر الذي يقف وراء هذه التهديدات، متهم بالحصول على أكثر من مليار جنيه إسترليني رشوة من شركة الأسلحة البريطانية (بي أي إيه)»، كما اتهمت بندر بتهديد بلير عندما قام بزيارة لندن في كانون الأول عام 2006.
ونسبت صحيفة «الغارديان» إلى قاضي المحكمة العليا قوله إن الحكومة ظهرت كأنّها رضخت بعد التهديدات، مصوّراً ما حصل وكأنّ أحداً يوجّه مسدساً إلى رأس الحكومة.
وفوجئ القاضي كيف أنّ حكومة داونينغ ستريت لم تحاول حتى ملاحقة بندر من أجل سحب تهديداته، مضيفا بأنه لو حصل هذا في تشريعنا، لكان اعتُبِر جريمة جنائية .
وتابع قائلا إنّه بعدما بَطُلت حجج (بي أي إيه) التجارية، فإن الخطوة الثانية كانت تهديد الأمن الوطني... وهذا شيء سيئ.
من جهته، قال الادّعاء إنّه عندما فشلت «بي أي إيه» في محاولتها الأولى لوقف القضية، غيّرت تكتيكاتها.
وأضاف أنّ القضية لا تتعلّق فقط بمبيعات الأسلحة بل بتصوير الوزراء البريطانيين وشركائهم من آل سعود القضية على أنّ متطلبات الأمن الوطني تستدعي إغلاق ملفها.
وأشارت الصحيفة إلى أنّ التهديدات نجحت في وقف التحقيق، إلا أنّها أثارت ضجّة دولية، بعدما نشرت «الغارديان» قيمة المبالغ التي حصل عليها بندر، وهو ما أطلق في وقت لاحق قضية غسل أموال في دول أخرى، إذ فتح القضاء الأميركي تحقيقه الخاص بموجب قانون الممارسات الأجنبية الفاسدة تتعلّق بالمال البريطاني الذي حُوّل إلى الأمير بندر عندما كان سفيراً في واشنطن.
وكانت «الغارديان» قد كشفت كيف تمّ تضخيم سعر الطائرات. ونقلت عن السفير البريطاني في السعودية في تلك الفترة، ويلي موريس، قوله إن الأمير سلطان ولي العهد الحالي كان يبدي اهتماماً فاسداً بالحصول على رشوة من كل الصفقات.
وأضافت أن رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر وابنها مارك وعدداً من أعضاء الأسرة الحاكمة في السعودية اتهموا أكثر من مرة بأنهم حصلوا على عمولات عبر صفقة «اليمامة»، التي بلغت قيمتها 43 مليار جنيه.
وأكدت الصحيفة أن وثائق وزارة الدفاع البريطانية كشفت عن أن سعر كل طائرة «تورنيدو» ضخّم بنسبة 32 في المائة ليصبح 21.5 مليون جنيه بدلًا من 16.3 مليون جنيه.
|