|
لا تستغرب وأنت تتجول في أحياء مدينة جدة أو تتحدث إلى الأهالي أن ترى وتسمع عن أسماء أحياء غريبة عن المجتمعات العربية والإسلامية ، لأن هذه الأسماء اقترنت و اشتهرت فقط في عالم الإجرام والمخدرات .
وإذا أردت السلامة وجنبت نفسك معاناة المخاطرة بالذهاب والتجول في هذه الأحياء ومشاهدة عالم الجريمة والأجرام بأم عينيك متجسدًا في هذه الأحياء التي لا تبعد سوى بعض الكيلووات من أقدس بقعة في الأرض مكة المكرمة فما عليك سوى تصفح بعض الجرائد لترى الجرائم تتصدر صفحاتها من حيث ارتفاع معدلات الجريمة فيها من سرقات وسطو وسلب وتكسب بالرذيلة فضلا عن ترويج المخدرات خصوصا الكرنتينة وغليل اللذين يستأثران بأكثر البؤر إجراما حتى اتخذت بعض أزقتها وحاراتها اسماء ترتبط بمسميات ذات دلالة مثل جامايكا وكولومبيا وجهنم.
ويقول الأهالي إن ثمة أحياء في المدينة تنتشر فيها العشوائيات أضحت ملاذا للمجرمين من كافة بقاع الارض يمارسون فيها المخالفات ويشكلون أخطر العصابات حتى ان خبيرا امنيا أشار إلى أن هذه العصابات تتجدد يوميا ويعاد تنظيمها مرة أخرى.
وتتميز تلك الأحياء بقذارة الشوارع وكثرة المخلفات والاطفال وعشوائية البسطات التي تبيع كل شيء، غير ما يباع سرا من المخبأ في المنازل.
وما يؤكد سوء سمعة هذه الأحياء تكرر القبض على المشبوهين والمطلوبين في قضايا السرقة وخطف الجوالات وحقائب النساء وتزوير الإقامات وبيع العملات المزورة، بشكل متواتر فيها.
وفي هذه الأحياء التى سميت شوارعها كولومبيا وجامايكا وجهنم دلالة على انتشار الإجرام والمخدرات فيها تباع أنواع جديدة من المخدرات تسمى (الكراك) تستهدف بصفة خاصة صغار السن، وهي تنطلق من مصادرها بها، لتوزع في شمال ووسط جدة لطلاب في السن الدراسية (13-16) سنة,كما أن احياء الكرنتينة وغليل وكيلو 6 حولت إلى مراتع لهذه المخدرات، إلى جانب ارتفاع نسبة جرائم العنف والاعتداء بالسلاح الأبيض، حيث سجلت محاضر الشرطة ارتفاعا ملحوظا ، كما يرتفع عدد السجناء من أبناء هذه المناطق صغار السن بشكل واضح.
كما تشتهر الكرنتينة بسوق الجمعة الذي تباع فيه المواد الضارة والمسروقات والبضاعة منتهية الصلاحية، إضافة إلى منازل تمارس فيها الشعوذة والسحر، وأخرى كمراكز للرذيلة بحيث شاعت مقولة إن الداخل في شوارع الكرنتينة مفقود والخارج منها مولود خاصة بعد العاشرة ليلا.
وبسبب الغياب الأمني الملحوظ نتيجة لعدم اهتمام الحكومة بأمن وسلامة المواطن وتركيزها فقط على حماية العائلة المالكة ومراقبة وتتبع الإصلاحيين والحقوقيين ودعاة التغيير من طلاب وأساتذة انتشرت بؤر الأنشطة الاجرامية في الاحياء العشوائية.. فالاحصائيات التي تنشرها الصحف المحلية يوميا تؤكد استفحالها وزيادتها مع كل صباح .
ويطالب أهالي جدة الحكومة بضرورة الاهتمام بأمن وسلامة المواطن الكادح الذي أصبحت حياته وحياة أسرته وأبنائه مهددة في وضح النهار بدلا من مراقبة أصحاب الأفكار الإصلاحية والتنويرية .
كما يطالب الأهالى الحكومة بسرعة التخلص من العشوائيات التي تحولت إلى ملاذ للمتخلفين وأصحاب السوابق الجنائية ، وبإعادة تخطيط هذه الحارات والأحياء للقضاء على كل المظاهر السلبية حتى تشرق عليها الشمس والتي حجبت عنها لسنوات طويلة استوطن فيها المتخلفون وارباب السوابق مستغلين صعوبة ملاحقتهم وسط الازقة الضيقة والاوكار المظلمة.
أجهزة إنذار متحركة
اخصائيون اجتماعيون كثر ينبهون إلى ضرورة الاسراع بإعادة تنظيم هذه الأحياء وإغلاق البؤر ه الإجرامية وتوسيع الشوارع واضاءتها، إذ تتميز هذه الأحياء بالعشوائية وضيق الشوارع
ويقول الأهالي إنه في ازقة وشوارع الكرنتينة الضيقة المغلقة والمكسرة يباع كل شيء يمكن أن يخطر بذهنك، من القورو والفاكهة بأنواعها والملابس بأشكالها والجوالات والمخدرات والعرق والمنشطات والدولارات والجوازات والتأشيرات المزورة والاجهزة الالكترونية المختلفة انتهاء بالزئبق الذي يستخدم في السحر والشعوذة، وهناك اشخاص متخصصون يعرفون بـ(الدنفرة) والكلمة من لغة التشاديين والنيجيريين تعني النصب والاحتيال بالزئبق الأحمر وما في نطاقه من السحر والشعوذة، وبيع الدولارات بنصف القيمة أو بيع الذهب بنصف قيمته في السوق.
جزر الشر تتمدد
في بيئة مثل هذه لا يستغرب انتشار الممارسات الاجرامية، بيئة مغلقة على نوعية معينة تحترف ممارسة الشاذ والممنوع والمحرم وسيلة لكسب العيش.
وفي الحوادث التي يذكرها الناس وكان منفذوها من هؤلاء المجرمين حادثة الاكاديمي الذي دخل مجرمون منزله بالحمراء وجردوا المنزل من كل ما كان فيه واعتدوا على الخادمة تحت تهديد السلاح.
وكذلك حادثة المهندس المدني بالفيصلية الذي دخلوا منزله وسرقوا ما فيه، وقبلهم الـ «15» المتخصصة في خطف الجوالات وشنط النساء.
وأخيرا يطرح الأهالي السؤال نفسه بإلحاح: طالما أن خطر هذه الأحياء يطال الجميع، المواطن والمقيم النظامي وأن هذا الخطر بات يهدد الوطن نفسه، ليس أمنيا فحسب، وإنما يهدد حتى هويته ومستقبله الديمغرافي والثقافي والاجتماعي، إذن ما هو دور المواطن تجاه هذا الوطن، بل وتجاه نفسه واسرته ومستقبل أطفاله؟
من جانبه اعترف الخبير والمستشار الأمني العميد جرمان بن احمد الشهري أن الأحياء العشوائية جنوب جدة أضحت تقض مضاجع الأهالي وذلك بما تفرزه من مخالفات ومشاكل مؤرقة من سرقات واعمال سطو وترويج مخدرات جراء تواجد الوافدين من المتخلفين والمخالفين لأنظمة الاقامة والعمل.
إضافة إلى «الشريحة» المستعصية من «المولدين» الذين يقطنون في تلك الأحياء كالطحالب على المياه الراكدة.
وأضاف: نخشى أن تتفاقم تلك المشاكل المتراكمة لتنفجر يوما في وجوهنا وحينها سنندم حين لا ينفع الندم.
صحيح أن الجهات الأمنية -يتابع الخبير الأمني- المختصة تبذل قصارى جهدها للسيطرة على الوضع في محاولة للقضاء على المشكلة لكن هذا الجهد الأمني لا يكفي طالما أن جذور المشكلة قائمة فرجال الأمن يداهمون بعض الأوكار الناتجة عن تلك الأحياء ويقبضون على المجرمين الحاليين في تلك اللحظة لكن سرعان ما تتكون عصابة أخرى أكثر تنظيما وأشد خطرا ومن هنا فإن الحل في اعتقادي لا يقتصر على الجانب الأمني فقط وإنما يشمل إعادة تنظيم تلك الأحياء العشوائية وهذه مسؤولية الحكومة
فعليها أن تتبنى خطة إعادة تنظيم تقوم من خلالها بإزالة تلك الأحياء ونزع ملكيتها وتطبيق الانظمة عليها من تخطيط وتوسعة وخلافه مؤكدا أن المهمة ليست سهلة ولن تنفذ في يوم وليلة لكنها ليست مستحيلة والبدء بخطوة أفضل من الإبقاء على المشكلة التي تتنامى بشكل مستمر دون حل في الأفق.
|