|
الكاتبة الصحفية السعودية د. مضاوي الرشيد هي في الواقع أشهر من أن يعرف بها داخل السعودية أو خارجها فلديها قراءها الذين يتلهفون لقراءة مقالاتها ويسعون وراء هذه المقالات في كل وسيلة إعلامية، ولعل أكثر من يعرفها هم أفراد العائلة المالكة لما يدسونه لها من حقد وكره شديدين، فقد تم التحقيق معها العديد من المرات بواسطة السلطات السعودية وتعرضت لمضايقات كثيرة بسبب صراحتها المعهودة وآرائها الإصلاحية على صفحات الجرائد والمجلات وعبر المحطات الفضائية والتي تتسم بالعلمية والموضوعية وعدم المهادنة على حساب مصير شعب المملكة، إضافة إلى نشاطاتها على صعيد المجتمع المدني.
الدكتورة مضاوي الرشيد معروفة باختلافها الجوهري مع العائلة المالكة السعودية سواء في الإطار السياسي أو الديني أو الاجتماعي إلخ..
وفي إطار كشفها لأسس دولة آل سعود والدور المشبوه للعائلة المالكة وارتباطها المصيري بالصهيونية وبدولة إسرائيل نقدم للقاري الكريم هذه الدراسة الموجزة التي نشرت في صحيفة القدس العربي الصادرة في لندن اليوم، والتي إن دلت على شيء فإنما تدل على مدى الارتباط السعودي الإسرائيلي في الرؤية والهدف والمصير:
تقول الكاتبة: ليست المصالح السياسية الآنية فقط التي تجعل التقارب السعودي ـ الإسرائيلي أمرا حتميا، ظهرت ملامحه في الأشهر السابقة عندما توافق الطرفان في رؤيتهما السياسية خلال حرب لبنان الأخيرة، وأشادت القيادة الإسرائيلية بالمواقف السعودية، وتحولت الفتاوى السعودية إلى مادة دسمة تستهلكها الصحافة الإسرائيلية، وتم الإعلان عن لقاءات سرية بين القيادات في الدولتين تحت مظلة وسيط عربي.
وتؤكد أن لهذا التقارب جذورًا وقواسم مشتركة تؤلف قلوب القيادات في كل من إسرائيل والسعودية.
وليس قرار النظام السعودي إنشاء جدار عازل بين السعودية والعراق إلا رمزا لحالة التقارب الفكرية بين دولة صهيونية عنصرية وأخرى عربية تشاركها بعض البنية الفكرية والخلفية التاريخية. هذا التقارب نابع من مشتركات تجعل الكيان الإسرائيلي اكثر تشابها مع نظيره السعودي.
وتشرح الكاتبة هذا التقارب فتقول إن له عدة وجوه:
أولا: قامت دولة إسرائيل والدولة السعودية على علاقة متشنجة مع الدين. الأولى استغلت نصوصا قديمة دينية في سبيل مشروع حديث، طعم بالفكر القومي الأوروبي، وخاصة المتصل بمفهوم الدولة القومية وجمعها لشتات اليهود المنتشرين في العالم.
وتصدرت إسرائيل تمثيل هؤلاء في المركز الجغرافي، والذي يحمل الرمزية الدينية، وبذلك يستطيع توحيد الصفوف.
كذلك السعودية والتي قامت هي أيضا على تفعيل الخطاب الديني في مشروع سياسي بحت، مستغلة بذلك رمزية الموقع الجغرافي وثقله عند المسلمين، لتكسب شرعية، ولو آنية، حتى يتم تثبيت الدولة وهيمنتها.
وبعد استتباب وتوطيد المشروعين السعودي والإسرائيلي؛ نجد أن الدولتين ابتعدتا عن الخطاب التأسيسي الديني، مما أدى إلى بروز أصوات منشقة تحاول إعادة المشروع إلى جذوره الدينية، وأخرى ترفض المشروع ذاته.
في إسرائيل تظل المجموعات الدينية متململة من علمانية دولة اعتبرتها سابقا مثالا حيا للمشروع اليهودي الأصل، وكذلك السعودية حيث نجد أن بدايتها تزامنت مع تعالي الأصوات المنددة بتحول المشروع من مشروع ديني إلى مشروع سياسي بحت انفصل عن خطابه التأسيسي الأول.
ثانيا: قامت الدولتان السعودية والإسرائيلية على تفعيل الخلاف بين جغرافيتين؛ الأولى جغرافية الداخل النقي الطاهر الذي يمثل روح المجموعة، والخارج المعادي والآخر المتربص.
ديمومة المشروعين الإسرائيلي والسعودي تعتمد على هذا الانفصال، حيث تتكون نظرة للعالم وكأنه جاهز للانقضاض على الداخل الصافي.
حدد صفاء الداخل بمصطلحات تعتمد على انتقائية النصوص الدينية وتفعيل نظرية الاختيار الرباني لمجموعة خارجة عن السياق التاريخي ومختارة من قبل الإرادة الإلهية لتفعل دورها في العالم. النخبة اليهودية المسؤولة عن تحقيق الاختيار الرباني تجد نظيرتها في السعودية؛ حيث إن المشروع السعودي اعتمد على مفهوم الاختيار من أجل تحقيق بلورة الرسالة السماوية على الأرض وتطهيرها من الشوائب والكفر والشرك.
رسالة الدولة الإسرائيلية والسعودية تصبح مشروعا إلهيا يعتمد في تحقيقه على مجموعة صغيرة مكلفة ومنتقاة من بين البشر.
الحلم اليهودي بالعودة إلى ارض الميعاد، يقابله الحلم السعودي بتنقية الإسلام من شوائب وصفت وكأنها طغت على ممارسته. مفهوم العودة إلى الأرض ومفهوم العودة إلى إسلام صائب يجعلان من الدولة الإسرائيلية مرآة لنظيرتها السعودية والعكس صحيح.
العودة ترتبط بحالة تشنج دائمة ضد مخاطر وهمية ترسمها الدولتان ولا تستطيعان أن تتخلصا من نظرية الخطر المفترض والحتمي.
ثالثا: تقسيم الجغرافيا إلى مناطق يقطنها الطاهر وأخرى يقطنها المدنس تجد تكريسا صريحا في فكرة الجدار العازل الذي يفصل بين الجغرافيتين.
إسرائيل تبني جدارا يفصل بين الداخل والذي يصور على أنه تحت التهديد والخطر والخارج الفلسطيني مصدر الخطر.
كذلك السعودية بجدارها ذي الكلفة المرتفعة يفصل ما يصور على أنه الداخل السعودي الآمن والخارج العراقي الملتهب. يقلب الجداران المعادلة، وبينما إسرائيل هي المعتدية على الفلسطيني ومصدر الخطر الأول والأخير، كذلك السعودية فهي تاريخيا من امتد وتوسع في العراق عن طريق هجرات متتالية من الوسط السعودي إلى الطرف العراقي تعود جذورها إلى مئات السنين، ارتبطت هذه الهجرات بعوامل اقتصادية تارة وعوامل تاريخية دينية.
وإن كان هناك خطر ما فهو كان يأتي من الداخل السعودي وليس من العراق تماما كما هي الحال في فلسطين حيث إن اليهود أتوا من الخارج إلى الداخل الفلسطيني ليشكلوا خطرا عليه.
دول الجوار هي عادة مصدر هذا الخطر وليس المجموعات القاطنة خارج الجدار. تعزل إسرائيل الفلسطيني الأعزل وهي التي تقصفه يوميا، والسعودية تعزل العراق وشعبه بينما نجد أن السعودي هو الذي هاجر إلى العراق حاليا طلبا للجهاد.
هذا المهاجر ليس إلا امتدادا تاريخيا لحالات هجرة سابقة استوطنت العراق وبعضها غزاه طلبا لغنيمة يفتقرها في موطنه الأصل.
تاريخيا غزت قبائل نجد العراق واستقرت به ولم يأت العراقي إلى السعودية يوما ما وإن أتى نراه وجد نفسه لاجئا في مخيمات صحراوية نائية يترقب عودته إلى بلاده بعد صفقة سياسية تتم بين قيادات العراق السابق ونظيرتها السعودية.
رابعا: يتميز الكيانان الإسرائيلي والسعودي بالعنصرية، أولا تجاه أطراف في داخل الكيانين وبين الكيان نفسه ومن هو خارجه. نجد أن في الداخل الإسرائيلي تمايزا بين اليهود أنفسهم، حيث يتصدر يهود أوروبا المقام الأول لأنهم أصحاب المشروع منذ بدايته، ويأتي اليهود الشرقيون والفلاشا وحتى الروس القادمون بعد إتمام المشروع في مراتب متدنية، ويشكل هؤلاء حلقات، بعضها يعاني من التمييز والدونية التي تعبر عن ذاتها في الإقصاء والابتعاد عن مركز القرار السياسي والاقتصادي، ورغم محاولات إسرائيلية لدمج هؤلاء إلا أن التمايز والإقصائية لم يقض عليهما بعد بشكل تام.
وفي الداخل السعودي نجد أيضا أن العنصرية والتمايز يلازمان تطور الدولة وتكريس هويتها الضيقة، حيث تستثني وتستبعد هويات هامشية أخرى لم تكن ضمن الجوقة، والتي يعتقد أنها اختيرت وانتخبت إلهيا لبلورة المشروع الديني الأزلي.
وكما في إسرائيل يبقي الجدل حاميا بخصوص من هو اليهودي الحقيقي الأصلي، نجد أن في السعودية أيضا لا يصمت الجدل المختص بتعريف من هو المسلم الحقيقي، مع الاستنتاج المسبق أن رعية الدولة الضيقة هي صاحبة الحق والكلمة الفصل في تحديد مواصفات هذا المسلم وخصائصه وصفاته.
خامسا: التقارب في الخصائص بين السعودية وإسرائيل ينطلق من كون الكيانين نتجا عن العنف ضد الغير. قامت دولة إسرائيل على عنف منظم تحت مظلة ومباركة خارجية (بريطانيا) حتى نتجت عن هذا العنف حركة توسعية تستمد شرعيتها من الدين وجنودها من المستوعبين للخطاب الديني أو الانتهازيين الذين يقتنصون الفرص التاريخية وكذلك كانت السعودية منذ بدايتها دولة اعتمدت على الدعم الخارجي البريطاني والعنف المحلي لتثبيت مشروع متلبس بالدين ولكنه سياسي بالدرجة الأولى.
لم ينشأ الكيانان عن عقد اجتماعي أو تكافؤ اقتصادي بين أطراف جغرافية متفرقة أو وحدة ثقافية بين هذه الأطراف بل قام الكيانان علي العنف التوسعي وبسط الهيمنة بحد السيف وشرعية النص الديني المستغل للمشروع السياسي الآني.
أسقطت أزلية النص على محركين آنيين من أجل الامتداد. أدى هذا العنف إلى دول بلا حدود وحتى هذه اللحظة تظل حدود الدولة العبرية معلقة ومبهمة وكذلك حدود المد السعودي والذي انحصر جغرافيا على الأرض إلا أن مشروع الهيمنة السعودية يبقى عالميا لا يعرف مفهوم الحدود.
التوسع السعودي والتغلغل في العالم العربي والإسلامي وحتى الغربي يجعل هذا الكيان مملكة بلا حدود والتوسع الإسرائيلي الجغرافي يظل عالقا على مقدرة الدولة دون تحديد لمساره المستقبلي لأن ذلك يظل رهينة القدرة على استعمال العنف ضد الغير.
يعتمد الكيان السعودي والإسرائيلي على العنصر الخارجي ليس فقط في بداية المشروع بل من أجل استمرارية هذا المشروع.
حتى هذه اللحظة لا تستطيع السعودية أو إسرائيل أن تقفا على قدمين صلبين دون الدعم والمساندة من الخارج.
هشاشة الكيانين تتطلب العنصر الخارجي لأنهما مشروعان يتصفان بهشاشة الشرعية وتزويرها.
تنبع هذه الهشاشة من تجنيد الخطاب القديم الديني في سبيل مشروع حديث لا يمت بصلة إلى هذا الخطاب القديم وتنبع أيضا من تزوير الحقائق التاريخية وربطها بمحاولات لشرعنة العنف الموجه ضد الآخر.
وبـــدون الدعم الخارجي المعنوي والمادي والعسكري تسقط المنظومة الإسرائيلية ونظيرتها السعودية ولا يبقي سوي كيانات مرتجفة تعتاش على تصوير نفسها وكأنها تكثيف لمعني الطهر والنقاء الذي يعاني من مخاطر أزلية وقوى شريرة تحاول النيل منه وتقويض دعائمه.
التقارب السعودي الإسرائيلي الحالي ما هو إلا تقارب لكيانات تشترك في خصائص معينة تجعل من دول الجوار والجدار منظومة شاذة عن تاريخ الأمم وتطورها الطبيعي.
|