|
وفقا لأدبيات العلوم الاجتماعية والاقتصادية فإن المجتمعات الإنسانية تقسم إلى ثلاث طبقات ، عليا وهي طبقة المترفين من أبناء المجتمع وفق المنظور الاقتصادي ، ثم الطبقة الدنيا وهي تلك الطبقة المعدمة التي بالكاد تتحصل على قوت يومها مع وجود صعوبة في تأمين المسكن والخدمات الأساسية من تعليم وصحة وغيرها.. وأخيرا الطبقة الوسطى وهي التي يعتبرها علماء الاجتماع والاقتصاد على السواء أهم الطبقات في استقرار المجتمعات الإنسانية باعتبارها تمتص الهابطين من العليا والصاعدين من الدنيا بالشكل الذي يحافظ على التوازن بين الطبقتين الأخرتين.

وإذا كان المجتمع الإنساني - أي مجتمع – يحتوي بالضرورة على الطبقتين الدنيا والعليا فإن الحكومات أو السياسات الاقتصادية في الدول تسعى جاهدة إلى إبقاء الاستقرار في الطبقة الوسطى باعتبارها طبقة الحراك الاجتماعي من الأسفل إلى الأعلى وبالعكس، وذلك من أجل استقرار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الدولة، باعتبار ما يفرزه أي تخلخل في الطبقة الوسطى في اتجاه النقصان، من مشاكل مدمرة لبنية المجتمع ككل ولكيان الدولة واستقرارها السياسي بشكل عام .
الحال في المجتمع السعودي في هذا السياق ينذر بالخطر الأكيد كون الطبقة الوسطى شهدت تآكلا واضحا خاصة خلال الأعوام القليلة الماضية بلغت نسبته وفق بعض الدراسات الحكومية أكثر من عشرة في المائة، ورغم أنها بلا شك نسبة محتشمة بالقياس إلى ما يعيشه المجتمع السعودي من فقر وبطالة وارتفاع جنوني في الأسعار وقلة المساكن والافتقار إلى الحد الأدنى من الخدمات الضرورية للمجتمع والتي يفترض في دولة مثل السعودية أن تتكفل بها الدولة مجانا، وهو ما أفرز ظاهرة جد خطيرة طالب العديد من الاقتصاديين إلى اعتبارها قضية وطنية من الدرجة الأولى ينبغي أن تحظى بأولوية في اهتمامات الحكومة وهي ظاهرة الفقر.
ومشكلة الفقر في السعودية وإن أحجم الكثير من الاقتصاديين والكتاب عن تناولها لأسباب تتعلق بسلامة أرواحهم واستقرارهم الأسري فإن بعض الاقتصاديين العرب والأجانب تحدثوا عنها بإسهاب حيث أوصلوا نسبة الفقر في السعودية إلى أكثر من خمسين بالمائة، إضافة إلى أن نسبة الأسر التي لا تملك مسكنا خاصا في المملكة تتجاوز نصف مجموع الأسر السعودية.
وإذا كانت المشاكل التي يعاني منها المجتمع السعودي يمكن إجمالها بالفقر حسبما تقدم فإنها تطحن برحاها التي لا ترحم كلا من الطبقة الدنيا التي يزداد عددها ووفق ذلك بؤسها وشقاؤها والطبقة الوسطى التي تنضم إليها وتتكدس كل عام أعداد كبيرة من الطبقة العليا.
هذه الخلخلة أدت إلى تقارب أو شبه اندماج ما بين الطبقتين الوسطى والدنيا، بحيث يصبح المجتمع السعودي مكونا من طبقتين عليا ودنيا، لتزداد بذلك الهوة بين الطبقتين، ففي الوقت الذي يزداد فيه أعداد الفقراء تتضخم فيه بالتالي ثروة أغنياء المجتمع من الطبقة العليا على حساب الفقراء من أفراد المجتمع.
كان يفترض بالمفكرين السعوديين أن يتحرروا من الجبن الذي يكبل ضمائرهم وأن يواجهوا الواقع المرير بالحقائق العلمية ويثبتوا لآل سعود خطورة سياساتهم الاقتصادية والاجتماعية الخاطئة والمدمرة لاستقرار المجتمع، غير أن ذلك لم يحدث إلا نادرا وعرضا.
تركي الحمد
ضمن القلة من المفكرين الذين تجاسروا وطرحوا هذه القضية المفكر الدكتور "تركي الحمد" الذي حذر في محاضرة ألقاها خلال الأسبوع الماضي في ديوانية الملتقى الثقافي بمدينة القطيف، من استمرار تآكل الطبقة الوسطى في السعودية.
ورغم أنه لم يستند إلى دراسات محايدة بالخصوص إلا أنه أشار إلى دراسة قام بها باحث سعودي؟!!.. أشارت إلى انخفاض الطبقة الوسطى في السعودية بنسبة 10% وذلك خلال السنوات القليلة الماضية.
كما أن تركي الحمد لم يخض في محاضرته في النظريات الاقتصادية والاجتماعية التي تضع معايير لكل طبقة أو تلك التي تقسم المجتمع إلى طبقات حسب قوة اقتصاد الدولة أو ضعفه.
واكتفى بالإشارة إلى أن المشكلة تكمن في غياب الطبقة الوسطى عن بعض المجتمعات، مثلما أشار إلى عدم وجود تعريف موحد للطبقة الوسطى!!.. لكنه ذكر بأنها تلك التي تتوسط الطبقتين العليا والدنيا.
مؤكدا على أهمية وجودها باعتبارها الطبقة الحركية، فهي ليست جائعة وجاهلة، كالطبقة الدنيا، ولا متخمة كالعليا، وهي طبقة اقتصادية، ليست مرفهة، ولا جائعة.
وبعد أن شدد الحمد على أن الطبقتين العليا والدنيا لا ينتج عنهما حراكاً اجتماعياً، أو مجتمعاً مدنياً حقيقياً أوضح أن الطبقة الوسطى في السعودية «بدأت تتآكل»، ما اعتبره «إنذاراً بخطر محدق بجميع مكونات المجتمع السعودي».
وأوضح أن هذه الطبقة «تستطيع أن تجعل بلدها مستقراً، لكنها لن تحافظ على استقراره إن أدركت أنها تفقد مستوى الحياة التي عاشته في السابق ، معتبرا أن تآكل هذه الطبقة، دفع منتسبيها إلى المحافظة على مستواهم المعيشي السابق ذاته، ما أدى لتراكم الديون عليهم وإفلاسهم».
وفي طرحه أشار الحمد إلى وجود ما يعرف اقتصاديا بالانكماش، وأورد بعض الأسباب التي ساهمت أو زادت من تفعيله وهو الفساد الإداري في الدولة الذي تعاني تبعاته الطبقتان الوسطى والدنيا على وجه التحديد.
وأورد مثالا على ذلك كارثة سوق الأسهم التي عصفت بالمجتمع خلال العام الماضي والتي هوت معها جموع كبيرة من الطبقتين العليا والوسطى إلى مصاف الطبقة الدنيا.
كما أضاف أسبابا أخرى مثل البطالة والتضخم اللتان أسهمتا «في تآكل الطبقة الوسطى، خصوصاً أن المجتمع السعودي شاب، إذ أن نسبة السكان في سن العمل تتراوح بين 60 و 70 في المائة، وهؤلاء مهددون بالبطالة، حتى أنهم باتوا يخشون على مستقبلهم».
وأورد الكاتب مثالا ذا بعد خطير عندما قارن بين الشاب في السعودية وآخر في البلدان الغربية فقال «إن كان الشاب فقيراً في الغرب، فإنه سينظر للمستقبل بطموح، لأن الطبقة الوسطى قوية هناك، فيما يصاب الشاب السعودي بالإحباط، خصوصاً أننا عرفنا أنه يطمح للعمل، كي ينضم للطبقة الوسطى الفاعلة بينما شبح البطالة يترصده دائما».
وعرج المحاضر أيضا إلى أن حل هذه المشكلة مازال موجودا إذا توفرت النية لدى أولي الأمر، وطرح بعض الحلول التي رآها ناجعة مثل إعادة النظر في التشريعات الخاصة بالقطاع الخاص التي تتجاهل الفقراء في المجتمع قائلا هناك أشياء كالصحة والتعليم، يجب أن تتوافر في شكل موازٍ لصحة وتعليم القطاع الخاص، كي يشعر المواطن باقتراب الفارق، ولا يرهق نفسه بتحمل أعباء العلاج والدراسة المجانية في القطاع العام، التي نشعر بابتعادها عن القطاع الخاص.
وفي سياق الحلول التي طرحها، طالب الحمد بـ «ضرورة سن تشريعات وقوانين تعزز ثقة الشباب السعودي بمستقبلهم، وتفتح الأفق أمامهم، وتشد من قوة الطبقة الوسطى».
محذراً في ذات الوقت من «جنوح المسحوقين في الطبقة الوسطى للعنف والجريمة، التي رأى أنها ارتفعت، وبلغت أرقاماً قياسية، جعلت كثيراً من أبناء المجتمع لا يشعر بالأمن خاصة بعد أنتشار الكثير من الأمراض الاجتماعية بسبب تآكل الطبقة الوسطى وارتفاع نسبة الفقر بين المواطنين».
نعود فنقول تعقيبا على ما أورده الكاتب تركي الحمد إن المحاضرة لم تخرج عن مجرد التنبيه وأنها لم تأت بجديد فالكل يعرف ويعي جيدا ما تناوله الحمد، وكان الأجدر به أن يكون أكثر جرأة وشجاعة فيعدد الأسباب ومسبباتها ويقترح بموضوعية وعلمية الحلول المناسبة، لكننا نلتمس العذر للكاتب لأن هناك خطوطا حمراء عليه ألا يتجاوزها إذا أراد العيش، فالسبب والعلة هما في استمرار وجود أسرة آل سعود جاثمة على صدور أبناء الجزيرة ينهبون خيرات بلادهم النفطية ويفتنون بين المواطنين بشتى الوسائل والأساليب، لكننا نذكر تركي الحمد بما قاله الشاعر التونسي الشاب: إذا الشعب يوما أراد الحياة ---- فلابد أن يستجيب القدر
ولابد لليل أن ينجلي ---- ولابد للقيد أن ينكسر
|