الأسباب الكامنة وراء هروب الفتيات السعوديات من بيوت أسرهن

المدينة المنورة: : 25 من ذي القعدة 1428 هـ - الموافق 5 ديسمبر 2007م –" واجز "

    يعاني المجتمع السعودي خلال هذه السنوات من ظاهرة اجتماعية خطيرة ألقت بظلالها على استقرار الأسرة السعودية التي أصبحت تعاني من هاجس التفكك والضياع، رغم ما يشد هذا المجتمع من روابط دينية كفيلة بإبقاء التماسك الأسري والتكافل بين أعضاء المجتمع.
هذه الظاهرة التي أصبحت كل أسرة سعودية تخاف أن تفكك ترابطها هي هروب الفتيات من بيوتهن إلى غير رجعة.
وإذا كانت ظاهرة هروب الفتيات من أسرهن تقض مضاجع الآباء والأمهات فإنها بالضرورة تؤرق أيضا المسؤولين باعتبارها الأقرب إليهم عند البحث في الأسباب.
وأدى ذلك إلى أن تم تكليف وزارة الداخلية وهيئة الأمر بالمنكر للبحث في أسباب هذه الظاهرة ومدى انتشارها في المجتمع السعودي وفي أي طبقة اجتماعية تتركز.
وقد أشارت صحيفة عكاظ في عددها الصادر بتاريخ 28-11- 2007.
إلى مدى استفحال هذه الظاهرة في مجتمع بلاد الحرمين وأوردت بعض الأرقام المتواضعة كونها هي المتاحة من طرف الجهات الرسمية، فقالت إن عدد الفتيات الهاربات يفوق الثلاثة آلاف فتاة. وإذا كنا لا نعلم المنهجية البحثية التي سيتم إتباعها في تلك الدراسة غير أننا نقف على بعض ما ذكره د. محيي عبدالله القرني أخصائي الطب النفسي والمدير الطبي بمستشفى الصحة النفسية ببلجرشي، والتي نراها بعيدة عن المشكلة ولم تتطرق إلى جوهرها، حينما أشار في حديث صحفي إلى أن الأسباب ترجع إلى أن ضعف الوازع الديني وعدم مخافة الله في السر والعلن.
وأضاف في معرض تشخيصه للمشكلة بالقول إن المشاكل الأسرية في العائلة الواحدة وعدم وجود توافق بين أفرادها وخاصة الوالدين تعد أحد أسباب هذه المشكلة، وبالنسبة لعلاجها يرى الدكتور محيي أنه يتجلى دور الأسرة في تربية أبنائها على مبادئ الشريعة الإسلامية وطاعة أولي الأمر وإبعادهم عن جلساء السوء وخاصة في سن المراهقة حيث تتعرض الفتاة في هذه المرحلة إلى فراغ عاطفي وعدم نضج فكري أو نفسي أو اجتماعي فعلى الآباء الجلوس مع بناتهم واغراقهن بالحب والحنان وسد احتياجاتهن النفسية..!! من جهته حذر مدير الشؤون الاجتماعية بمنطقة مكة المكرمة احسان طيب في تصريحات صحفية سابقة من تفشي مشكلة اختفاء الفتيات عن بيوت أسرهن لأسباب عديدة أهمها غياب الأسرة عن رقابة الأبناء ، مضيفا أنه في الوقت الراهن بات الإبن أو البنت تبحث عن أمها وابيها اللذين انشغلا في أمورهما الخاصة ونسيا أن أهم واجباتهما هو رعاية أبنائهما.
وبدورنا على صفحات هذا الموقع فإننا نطرح بعض المسببات أمام مواطنينا للنقاش فنشير إلى أن لهذه الظاهرة أكثر من بعد، وإذا كان د. محيي القرني قد تطرق إليها من زاوية تخصصه في الطب النفسي فإن طرحه قد يتراجع في سلم الأسباب إلى مراتب متأخرة.
أما ما ذكره إحسان طيب ففي رأينا ينبغي استبعاده لسبب وجيه وهو أنه مسؤول حكومي ويجب عليه التقيد بالتوجهات السياسية لوظيفته، وبالتالي فإن ما يطرحه من أسباب وطرق وقاية أو علاج تصبح متحيزة وغير مجدية.
إن ما يجب التركيز عليه في هذه الدراسة هما البعدان السياسي والقانوني للمشكلة وذلك من منظور كلي للدولة.
وهذا لن يتأتى إلا بوجود فريق دراسة محايد يطرح السلبيات والإيجابيات جنبا إلى جنب وبغض النظر عن المساس بالنظام السياسي للدولة أو بنظامها القانوني من عدمه.
إن مأساة المرأة السعودية أماّ أو فتاة هي بالدرجة الأولى افتقادها لأبسط حقوقها الإنسانية والآدمية، فكيف نطلب منها أن تصبح متاعا للرجل أب أو زوج أو أخ أو مدير في جهة العمل، وكيف نسلبها حقوقها وحريتها وننشد منها الكمال؟.. إنه لخطأ كبير يجب إزالته.
المرأة السعودية تقرأ وتسمع وتشاهد ما توصلت إليه المرأة في الدول المجاورة والأخرى العربية والإسلامية والعالمية وما تتمتع به من حقوق وما عليها من واجبات، وفي الوقت نفسه تصون كرامتها وتحفظ شرفها وشرف أسرتها،ومجتمعها، فهي تعي أن قيادة السيارة مثلا يقي الأسرة الوقوع في محاذير الركوب مع السائقين الأجانب ربما لساعات طويلة، كما تعي أن حرمانها من قيادة السيارة لأسباب تافهة يمنعها من أن تقل أطفالها للمدرسة أو التسوق أو التنقل لقضاء حاجيات الأسرة بشكل عام بعيدا عن جلوسها مع سائق أجنبي.
كما أن حرمان القوانين السائدة في المملكة للفتاة من أن تقول رأيها السياسي وفي مستقبلها وفي شريك حياتها ومقابلته في وجود أهلها والحديث معه في أمور الزوجية يجعلها محبطة ويائسة وترى مستقبلها سوداويا، وهي تنظر إلى ما توصلت إليه الفتاة الأخرى في البلاد العربية والإسلامية من حريات وحقوق في إطار الدين الإسلامي.
كما أن الفتاة وهي ترى بأم عينها كيف يتم تطبيق التفرقة العنصرية والتمييز بينها وبين الرجل في القوانين وفي تقلد الوظائف يؤدي بها إلى رفض هذه القوانين الحكومية التي لا تراعي آدميتها وبالتالي التمرد عليها.
الجانب الآخر في المشكلة هو الجانب السياسي، والذي نرى بأن المكلفون بالدراسة المشار إليها لن يجرأوا على التطرق إليه.
النظام السياسي في بلاد الحرمين الشريفين يعتمد على التفوق الذكوري في أي شيء، وبالتالي فلا وجود للأنثى فيه، إنه مجتمع الذكورة بعينه وربما هو النظام السياسي الوحيد المتبقي من العصور الغابرة الذي يرفض قبول المرأة باعتبارها نصف فاعل بالمجتمع.
وإذ كانت العقلية الذكورية التي نعتبرها أحد أساسات النظام السياسي لآل سعود، على اعتبار أنه يحصر حكم بلاد الحرمين في الذكور فقط ومن أسرة آل سعود فقط، فإن حجم الكارثة يتضاعف كثيرا ما لم يتم استبعاد هذا المفهوم الخاطئ .
والاستبعاد الكامل لدور المرأة في المجتمع في جوانبه السياسية والاجتماعية يجعل بالضرورة هذا الدور مهما اجتهدت فيه المرأة هامشيا وغير معتد به.
وعلى ضوء ذلك فإن المرأة في مملكة آل سعود تعيش حياة اليأس، وتشعر بنفسها مجرد متاع للرجل تحت حماية القانون، فماذا عسانا نتوقع منها؟.. إن هروب المرأة أو البنت من بيت أسرتها قد يكون أخف الأضرار في هذه الحالة، لأن من تسلبها حريتها وتحرمها من التمتع بأبسط حقوق الإنسانية قد تفعل أي شيء لأنها لا تملك ما تخسره، وإنما الخسارة هي للرجل فقط.
فهل يعي فريق الدراسة المكلف بالبحث في هذه المشكلة الأبعاد الحقيقية لها أم أنهم يكتفون بإرضاء أولي الأمر لأنه كما يقول إخوتنا في مصر "المخرج عاوز كده".