|
يرى الكثير من المحللين والمتابعين للوضع الأمني السعودي أن ما تقوم به سلطات أمن آل سعود في محاربة ما تسميه الأجهزة الأمنية بـ"الفئات الضالة" إنما هو كمن يراوح مكانه لا هو تقدم للأمام فيكشف الغامض من الأمور ولا تأخر للوراء لتقييم ما قام به في الماضي.
ويرى المحللون أن اعتقال المئات من الشباب في المملكة قد يكون تجديفا ضد التيار، بمعنى أن الكثير ممن تم اعتقالهم هم أبرياء وأن عملية اعتقالهم ستجعلهم يقفون في مواجهة السلطة، ويتعاطفون مع المناوئين لها.
ويضيف هؤلاء أن غياب المعالجة الفكرية لهذه المعضلة التي باتت اليوم تؤرق السلطة أكثر من أي وقت مضى قد يكون متعمدا، لما يعرف من مبادئ وأفكار وهابية تصنف في خانة واحدة مع أفكار القاعدة وغيرها من الجماعات الإرهابية.
ورغم أن مسؤولي المملكة من آل سعود وغيرهم يعون جيدا أن هذا الكم الكبير في عدد المقبوض عليهم على مدى عدة أشهر والذين تم تجميعهم ليصل عددهم إلى المئات أو الآلاف ، يشير إلى مدى انتشار المعارضة بأطيافها المختلفة العسكرية والسياسية والفكرية، فإنهم يقفون عاجزين عن أية مواجهة فكرية سواء مع المواطن المتضرر من حملات الاعتقالات العشوائية أو مع عناصر المعارضة ناهيك عن المواجهة المسلحة لما هو معروف عن الخلايا السعودية المعارضة التي تنظم نفسها بطريقة الخلايا العنقودية.
ورغم أن المحللين يرون أن الخروج من عنق الزجاجة يمر عبر مواجهة ما يسمونه بالفكر الإرهابي الذي يتبناه بعض المعارضين لنظام آل سعود خاصة ممن يحملون السلاح فإن نظام حكم آل سعود لن يفكر في هذه المواجهة حسب قول المحللين لأنه يقف على أرضية فكرية هشة حيث إن فاقد الشيء لا يعطيه.
وفي هذا السياق قال الشيخ محسن العواجي مؤخرا في حديث لوكالة فرانس برس إن "الدولة إذا رأت أنها قضت على هذا الخطر الظاهر بالمعالجة الأمنية"، فإن "الخطر الكامن موجود وهو خطر جسيم.
فليس هناك ضمانة أن المعالجة الأمنية ستنجح إن لم يكن هناك مواجهة فكرية للأفكار" التي يتبناها المعارضون.
غير أن البعض يرى في كلام الشيخ العواجي تضاربا مع التوجهات الفكرية للوهابية التي تنادي مبادؤها بالجهاد وقتال الغير سواء كان مسيحيا أو شيعيا مسلما..
ولتأكيد ذلك يرجع هؤلاء بالتاريخ إلى فترة الاحتلال السوفييتي لأفغانستان عندما قامت سلطات آل سعود بتأسيس تنظيم ما عرفوا آنذاك بالمجاهدين الأفغان حيث قامت بتمويلهم وتدريبهم وبإشراف أمريكي لمقاتلة القوات السوفياتية.
المعضلة الأخطر في هذه المسألة هي التطورات التي أعقبت خروج القوات السوفييتية من أفغانستان حيث استمر دعم آل سعود لهؤلاء المجاهدين، وإذا كان لكل حادث مسمى كما يقال فقد تحول اسم المجاهدين الأفغان إلى مسمى القاعدة مع استمرار دعم آل سعود لهم، إلا أن الاختلاف هنا هو في نقل هؤلاء المقاتلين المأجورين من أفغانستان إلى مناطق أخرى من العالم، فكان الغزو الأمريكي للعراق شاهدا على ذلك، أما أحداث نهر البارد في لبنان فتؤكد بدورها كيف أن الفكر الوهابي لآل سعود يوظف القتلة المأجورين من مختلف الدول لمحاربة الطائفة الشيعية في لبنان رغم أن كل هذا يصب في خدمة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بما تتضمنه من تشتيت للقوة العربية من محيطها إلى خليجها.
وهو ما جعل بعض المحللين يرون بأن تنظيم القاعدة حولته أسرة آل سعود إلى أداة لزعزعة استقرار المنطقة بشكل عام، ولا غرابة في أن يصرح بعض مسؤولي الكونجرس الأمريكي ممن يعنون بحقوق الإنسان والإرهاب بأن رجال أعمال سعوديين نافذين في حكومة الرياض ما يزالون يمولون تنظيم القاعدة ويحظون بحماية الأسرة السعودية الحاكمة.
وبدوره يقول الصحفي فارس بن حزام أن "الفكر التكفيري موجود والأرضية الخصبة لوجود هذا الفكر موجودة .."، ورغم أنه ينكر رسمية هذا التوجه غير أنه يردف بالقول أنه " لا يوجد في المناهج وإنما في الشارع وفي المسجد وفي الندوات والمحاضرات.
ربما يكون قد خف ولكن بشكل بسيط"، وهو ما يعكس انتشار التيار المعارض لآل سعود في الشارع السعودي وفي المسجد وفي الأوساط المثقفة بشكل عام.
ويستطرد بن حزام بالقول في إطار مدحه المعهود لآل سعود في القبض على الكثير من المعارضين المسلحين فإنه يوافق على أن" ليس هناك ضمانة بأن هذا النجاح سيستمر بسبب غياب المعركة الفكرية".
ويشير من جانب آخر إلى أن هذا الفكر يتبناه غير السعوديين في حربهم على آل سعود عندما يذكر بأن 4% ممن تم اعتقالهم هم غير سعوديين.
وهذا في حد ذاته سؤال ينبغي البحث عن إجابات له من داخل الفكر الوهابي نفسه وفي توجهات السياسة الخارجية لآل سعود.
أخيرا وإذا كان لنا أن ننهي هذه الملاحظات عبر هذه الأسطر فإننا نؤكد على ضرورة وجود حوار وطني فكري يجمع التوجهات السياسية السعودية بأطيافها المختلفة من إصلاحيين ومفكرين واجتماعيين وحتى أولئك ممن يسمون بالفئة الضالة من أجل الوصول إلى أرضية مشتركة بين الجميع، هذا إذا كان لدى آل سعود النية وذلك قبل أن يستفحل الأمر وتصبح بلادنا حلبة صراع مسلح وفكري يرسخ الانقسام ويزيد من الفتنة.
|