|
المتتبع للتغطية الإعلامية للقنوات والصحف السعودية الرسمية وخاصة قناة العربية طيلة شهر يونيو الماضي والتي ركزت خلالها بشكل مستفز على الذكرى الأربعين لهزيمة يونيو 1967 يلاحظ الحقد الدفين لدى عائلة آل سعود على مصر وعلى قادتها بهدف النيل من المواقف القومية الشجاعة لثورة يوليو ولرمزها الرئيس الراحل " جمال عبد الناصر .
وحاولت وسائل إعلام نظام آل سعود من خلال تقاريرها وتحقيقاتها التي استضافت فيها رموز العمالة وأعداء ثورة يوليو والمناهضين لحركة المد القومي أن تبث سمومها في الجيل الجديد وتمرير خططها الاستسلامية من خلال إلصاق الهزيمة بعبد الناصر وبالقوميين العرب ، وإظهار أن الحرب مع العدو الصهيوني خطا كبير ، وبأن الحروب تلحق بالعرب المآسي والمحن والذكريات الأليمة ، وهو ما يذكرنا بأجواء شبيهة إلى حد كبير بما جرى فى تلك الأيام من تأمر آل سعود على الأمة العربية ووقوفهم جنباً إلى جنب المعتدين الصهاينة الغزاة .
يحدثنا التاريخ أن الخطر من داخل الجسد العربى كان هو الأخطر فى هزيمة 1967 ، وأن اسرائيل ومن ورائها أمريكا لم تكن بهذه القوة التي ظهرت بها لولا التآمر العربي الذي قادته عائلة آل سعود على عبد الناصر من خلال خنق مصر اقتصادياً عبر مخطط أمريكى – سعودي خبيث ، يتم انهاك الداخل المصرى والسوري بخلافات وصراعات بين القوى الاسلامية والسلطة، وكانت دائماً أصابع من يسمون اليوم بالمعتدلين العرب ( أسماهم أيامها عبد الناصر بالرجعية العربية ) حاضرة ومؤثرة .
وكما يقول الكاتب والمحلل المصري الدكتور رفعت سيد أحمد إن الحقائق التاريخية ، والوثائق المتوفرة ، والكتب المنشورة ، ومنها كتاب أيزنهاور (النضال من أجل السلام) تؤكد أنه ثمة خطة أو مؤامرة أمريكية أعدت قبل حرب 1967 لإنهاء الظاهرة الناصرية والتي مثلت وقتها خطراً على مشروع الهيمنة الامريكي خاصة بعد انتصار 1956، اعتمدت هذه الخطة وفقاً لكتاب ايزنهاور على الحصار الاقتصادي لخنق عبد الناصر ، وتصفية الوضع الثوري في مصر ، بعزلها ، والقضاء على حركة القومية العربية التي وصفها دالاس وزير خارجية أمريكا وقتها بأنها أخطر من الشيوعية وذلك بتذويبها في كيان فضفاض أسموه بالحلف الإسلامي، وإخضاع المنطقة للهيمنة الأمريكية ، بحجة ملء الفراغ ، اعتماداً على ملك السعودية (سعود) وقتها الذي حاول دالاس إقناعه بأنه " بابا الإسلام " وعليه فلا بد أن تكون مكة بمنزلة فاتيكان للمسلمين "
ويضيف الدكتور " رفعت سيد أحمد " أنه وفقاً للدراسة التوثيقية الرائعة للمناضل العربي الدكتور فوزى أسعد النفيطي ( ابن الجزيرة العربية الذي يعيش كلاجئ سياسي بالقاهرة منذ أكثر من ثلاثين عاماً) ، وهي دراسة نشرت ضمن كتاب "العلاقات المصرية السعودية – الصادر عن مركز يافا عام2006".
وفي هذا الصدد ، قال الوزير البريطاني ، أنتوني ناتنج " إن دالاس كان يهدف إلى إيجاد خصم لعبد الناصر يختلف عن كل الخصوم الذين تعود أن يصطدم بهم ويحطمهم خلافهم معه ، خصم من نوع لا يقاوم ، وذلك بوضع الدين الإسلامى ذاته أمام عبد الناصر ، متجسداً في الملك سعود الذي ظهر خلال الزيارة إلى واشنطن التي أمتدت من 29يناير إلى 8فبرايرعام ، 1957، مستسلماً ، مستجيباً لوجهات نظر الرئيس الأمريكي ، أو وزير الخارجية دالاس أو رئيس وكالة المخابرات .
فالملك لم يرد على دالاس وهو يقول له : " إن قناة السويس ما هي إلا أنبوب ينقل البترول إلى أوروبا ، وإن بقاءها خاضعة لمصر ولمشيئتها ، قد يعرقل عمليات النقل ، مما يضطر الدول الغربية إلى تطوير طاقاتها النووية عوضاً عن البترول ، وإن هذا لو حدث يعرض البلاد السعودية إلى كارثة اقتصادية " .
ولما قال الرئيس إيزنهاور إن المشروع المسمى باسمه ( مشروع إيزنهاور ) إنما وضع من أجل مساعدة دول المنطقة على الانتفاع بمصادرها الطبيعية قال الملك في حفل عشاء رسمي : " إنني ممنون لفخامة الرئيس أن شرح لي مشروعه الجليل لحماية العالم العربي من خطر الشيوعية .
وكان دالاس قد أثار مخاوف الملك " من الشيوعية التي وفقاً لدلاس لم تخف أطماعها في الاستيلاء على موارد البترول ، على عكس الولايات المتحدة التي لا تفكر في فرض هيمنتها على دول المنطقة ، وأنها لا تريد سوى استقلال ، وسيادة تلك الدول ، وأن تتمكن من التعبير عن إرادتها الحرة ، وتأمين مكاسبها الإقتصادية " .
ولم يرد الملك على الرئيس وهو يقول : " إن مسألة التسليح ليست مسألة سهلة ، وهي ترهق اقتصاد الدول ، وأن خطة تسليح أي’ دولة يجب ألا تتعدى " تحقيق الأمن الداخلي فقط " لأن هناك " الأمم المتحدة " التي ما وجدت إلا من أجل حماية الدول الضعيفة ، ومساعدتها على الحفاظ على استقلالها " وهي أقوال كما نرى لا تزال واشنطن تستخدمها مع كافة الدول العربية ولا يجوز لها التلفظ بها في حضرة اسرائيل (!!) ، وحينما راح دالاس يقول : " إن مصر تتبع أساليب ممقوتة في تعاملها ، فرئيسها يلعب على كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي فحينما طلب شيئاً ولم نستجب له ذهب إلى الاتحاد السوفيتي دون مراعاة للصداقة " في إشارة إلى صفقة السلاح ، فإن الملك وغيره من الحكام المعتدلين أو الرجعية العربية على حد وصف عبد الناصر لم يشأ أن يذكر دالاس بأن مصر طلبت السلاح من أمريكا قبل الثورة ، وبعد الثورة ، وأن العدوان الإسرائيلى عليها فى يوم 28فبراير 1955 هو الذي أرغمها على اتخاذ قرار شراء الأسلحة من الروس ، ولم يشأ الملك وهؤلاء أن يقولوا الحقيقة ، وهي أن الرئيس جمال عبد الناصر ، وبشهادة السفير الأمريكي في القاهرة ، المستر " بايرود " قد طلب من السعوديين " ألا يحذوا حذوه " وأن يستمروا في محاولاتهم مع الولايات المتحدة للحصول على السلاح منها (والقول للدكتور فوزى أسعد النفيطي) وهذه سياسة السعودية التي لا تزال مستمرة حتى يومنا ( لنتذكر صفقة اليمامة البريطانية السعودية وقصتها المدوية حتى لحظة كتابة هذه السطور ).
* ولكن التحول الأخطر ، من وجهة نظر المؤرخين لهزيمة 1967واسبابها هو التآمر المستمر على مصر وزعيمها القومي وقتها ، وهو تآمر وصل إلى حد دفع الملايين من أجل القضاء على الرئيس عبد الناصر / نفسه ، رغم أنه قد وقع مع ، من استهدف اغتياله ( الملك سعود ) ذلك على معاهدتين للتعاون (27أكتوبر 1955، 21أبريل 1956) جرت المحاولة الأولى فى أواخر عام 1957 ، حين دفع ملك السعودية مبلغ 3ملايين جنيه إسترلينى للسيد " مرتضى المراغي " وزير داخلية الملك فاروق ، كشف عنها العقيد طيار " عصام الدين خليل " بعد أن تسلم بالفعل مبلغ 162ألف جنيه ، كدفعة أولى ، ليكون هو قائد الانقلاب .
وكانت مدينة بيروت هي مقر مرتضى المراغي ، الذي كان يتمتع بحماية الشرطة اللبنانية ، وكان على اتصال بالرئيس اللبناني ، كميل شمعون ، وينسق معه ولا عجب في ذلك ، لأن وزير الخارجية اللبناني ، وقتها ، كان في واشنطن لدى زيارة الملك سعود ، وعرض على دالاس فكرة التخلص من عبد الناصر ولما عرض اقتراحه على الرئيس إيزنهاور قال : " إن آراءه موضع اهتمامه " ثم المحاولة الثانية محاولة عبد الحميد السراج ثم الدور السعودي في تحقيق انفصال الوحدة السورية المصرية ودفع في هذه المحاولة – بأسعار أيامها.
12مليون جنيه استرليني وتواكب مع الانفصال حرب اليمن التي اضعفت الجيش المصري فلم يصمد عام 1967 كل ذلك بتآمر عربي ( رجعي ) مع الامريكان.
ويختتم الدكتور رفعت سيد أحمد تحليله الذي نشر على الانترنت بالقول إذا كان يوم التاسع من يونيه عام 1967 ، وبعد الهزيمة المريرة ، والذي تنحى فيه الرئيس عبد الناصر عن منصبه ، قد وصف " باليوم الأسود " ، وأتعس أيام الأمة العربية كما يقول البعض فإن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة ، للأسرة السعودية ، التي كانت عاملاً رئيساً في الهزيمة بسبب استنزافها مصر على جبال اليمن وفي وديانه سياسياً وعسكرياً ، واقتصادياً ، ونفسياً طيلة السنوات الممتدة من 1962- 1967 ، حيث كان يتابع أفراد الأسرة هزائم مصر بلهفة وحماس ، ويتعجلون نهاية الرئيس عبد الناصر كما يقول د. فوزى أسعد النفيطي وكما ذكرت مجلة صوت الطليعة الصادرة في 12ابريل 1976، ولما أعلن استقالته ، أخذوا يتبادلون التهاني ، ويذبحون الخراف والجمال كتعبير عن الفرحة التي عكست العقدة التاريخية التي تحكم آل سعود بمصر منذ قام محمد علي باشا بهدم ( الدرعية ) مقر حكم الدولة السعودية الأولى بسبب فساد حكامها وعمالتهم يومها للاجنبي ومروقها عن وحدة الصف الاسلامي .
إن الأوضاع أيام 1967 تحالف قوى الشر والرجعية بقيادة السعودية، تشبه إلى حد كبير واقع اليوم فنفس الأدوار السعودية لا تزال قائمة والعلاقات المشبوهة مع واشنطن وتل أبيب لا تزال مستمرة ضد (مصر) شعباً وقيادة ودوراً ، وضد المقاومة العربية في لبنان والعراق وفلسطين ولذلك يتحتم مقاومتها بنفس الضرواة والقوة حتى لا تأتي لحظة الندم في وقت لا ينفع فيه الندم ، وما أشبه الليلة – البارحة !!
|