|
لم ينته موضوع صفقة اليمامة وقضايا الفساد وتداخل مصالح المال والرشوة عند قرار رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، الذي تدخل في تحقيق مكتب التحقيق في قضايا التزوير الخطيرة، وذلك عندما قال بلير إن استمرار التحقيق في عقود شركة بي اي سيستمز والحكومة السعودية يهدد الأمن القومي.
بهذه المقدمة استهلت صحيفة القدس العربي الصادرة في لندن تقريرا مطولا حول هذه القضية التي تناقلت أنباءها كافة وسائل الإعلام الدولية وتفاعل معها الرأي العام ليس فقط في بلاد الحرمين الشريفين أو الوطن العربي ، وإنما الرأي العام الدولي وخاصة في بريطانيا والدول الأوروبية ، لأنها تكشف عن قضية جديدة في عالم الفساد والرشاوى لم يعتد عليها الرأي العام لأن المتورط فيها هذه المرة ليسوا أفرادًا عاديين أو رجال أعمال أو شركات تهدف إلى الربح وإنما نظام رسمي كان من المفترض فيه أن يحافظ على ثروات البلاد لا أن يقوم بسرقة واستنزاف ثروة البلاد في صفقات أسلحة مشبوهة تسهم في تدمير اقتصاد البلاد .
وأشارت الصحيفة إلى التهديدات السعودية بوقف صفقة شراء 70 طائرة ووقف التعاون الأمني مع بريطانيا، خاصة في مجال مكافحة الإرهاب. وقد حمل تهديدات السعودية الأمير بندر بن سلطان، سفير المملكة السابق في واشنطن، ومستشار الأمن القومي.
ولكن قرار المحكمة العليا رفض هذه التهديدات وأكد أن تدخل الحكومة لم يكن قانونيا.
وقد شجب قاضيان في المحكمة تدخل الحكومة بأنه تنازل صارخ للتهديدات السعودية، وذلك عندما قام مكتب التحقيق في قضايا التزوير الخطيرة بفتح تحقيق عام 2004 بعمولات ورشاوى دفعتها شركة تصنيع الأسلحة العملاقة في الرشاوى التي قدمت لأعضاء في العائلة السعودية الحاكمة لتأمين توقيع العقد. ودعت المحكمة رئيس الوزراء لفتح تحقيق في الصفقة.
وأوضحت الصحيفة أنه في الوقت الذي أكد فيه وزراء في الحكومة أنهم سيواصلون حماية الأمن القومي فإن التعليقات الصحافية كلها جاءت للثناء على القرار واعتباره انتصارا للقانون، خاصة صحيفة الغارديان التي كشفت أول مرة عن حجم هذه الرشاوى والعمولات والبذخ الذي مارسه أمراء وأعضاء في العائلة الحاكمة.
ومع صور كاريكاتير للأمير بندر بالكوفية السعودية الحمراء التي يخبئ بها مارغريت ثاتشر التي وقعت صفقة اليمامة في عهدها عام 1984 وتوني بلير، كتبت الصحيفة في افتتاحيتها تحت عنوان انتصار القانون ، وعلقت على قرار المحكمة قائلة إنه أظهر أن تصرفات الشركة لإرضاء عملائها كان مخالفا للدستور.
وقالت إنه عندما طالب السعوديون بوقف التحقيق فإن أحدا لم يقدم توضيحا عن سبب تجاهل القانون، وخلافا لهذا فإن الحكومة البريطانية توصلت لنتيجة أن التحقيق وإن كان خطيرا فإن وقفه كان ضروريا.
وأشارت إلى العمولات التي حصل عليها الأمير بندر من خلال هذه الصفقات والتي قالت إنها وصلت إلى مليار جنيه إسترليني، مشيرة إلى أنه كان يجب على توني بلير أن يتعامل مع تهديداته بنوع من الشك.
واعتبرت قرار بلير وموافقة نائبه العام لورد غولدسميث نوعا من الابتزاز لمكتب التحقيق الذي وافق على وقف التحقيق، وترى أن القرار هو دليل على أن القانون يجب أن يطبق بدون خوف أو محاباة.
وأضافت أنه لو قام مواطن بريطاني بما قام به السعوديون في هذه القضية لاتهم بإعاقة مجرى العدالة، وبحكم محكمة العدل العليا بأن التهديد السعودي لم يكن مقبولا فقد أكدت أن القانون يجب أن يأخذ مجراه في كل الأحوال ودون استثناء.
واعتبرت صحيفة الاندبندنت في افتتاحيتها أن القرار هو اتهام خطير للتجارة والحكومة.
وقالت أخيرا، سمعنا كلاما معقولا ومبدئيا فيما يتعلق بمكتب التحقيق في جرائم التزوير الخطيرة، (بي اي سيستمز) والصفقة مع السعودية. ومن حسن الحظ أن هذا الكلام العقلاني جاء من المحكمة العليا.
وقالت إن القرار الذي جاء بعد حملات طويلة لا يخجل مكتب التحقيق في جرائم التزوير الخطيرة بل الحكومة فقط.
وتحدثت عن تهديدات السعودية بقطع العلاقات الدبلوماسية ووقف صفقة شراء طائرات من نوع يوروفايتر .
وأكدت على ما قالته المحكمة في ردها على ما برره النائب العام من علاقة الصفقة مع الأمن القومي، مشيرة إلى رسالة المحكمة العليا بأن هذا التبرير كلام فارغ .
ومع أن قرار المحكمة في حيثياته يعتبر شجبا للحكومة التي قالت إنها خضعت للتهديدات السعودية التي لم تكن متأكدة من جديتها وقد حققت هذه هدفها بوقف التحقيق.
وأشارت إلى أن ذكر المحكمة للحكومة هو أيضا اتهام خطير، ومع كل شهر يمضي منذ رحيله عن الحكومة يبدو بلير فنانا في الهروب، فهو كان مسؤولا أعلى في الحكومة وتدخل شخصيا في التحقيق.
وقالت صحيفة التايمز إن وقف التحقيق كان إهانة لبريطانيا وقد وقفت المحكمة العليا للدفاع عن حكم القانون وأصلحت خطأ الحكومة ويجب استئناف التحقيق والكشف عن أسباب وقفه.
وعلقت صحيفة الفايننشال تايمز على قرار المحكمة قائلة إن القرار في حد ذاته يظهر حجم الضغوط التي مورست على مكتب التحقيقات من أجل أن يخضع للضغوط السعودية.
وعنونت صحيفة ديلي تلغراف افتتاحيتها بـ المحاكم تقدم الرؤية الواضحة وقالت إن مصلحة الأمن القومي والحرص على الصفقة كانتا في خلفية وقف التحقيقات، فلو استمرت التحقيقات لأدى ذلك إلى إحباط تلك الصفقة المهمة والتي تبلغ قيمتها 43 مليار جنيه استرليني .
وكانت صحيفة الغارديان قد بدأت حملة من أجل الكشف عن حجم الفساد في صفقة اليمامة التي وقعتها الحكومتان السعودية والبريطانية، وبنت القضية على أساس ملفات وشهادات من داخل الشركة والحكومة قدمها موظفون أرادوا أن يقرعوا الجرس وأظهرت حجما من الرشاوى والبذخ والشركات الواجهات التي أقيمت من أجل إرضاء رغبات الأمراء والمسؤولين السعوديين، وحسابات بنكية في بنوك ما وراء البحار.
|