العنف ضد الأطفال.. الوأد الجديد

الرياض : 7 جمادى الآخرة 1430 هـ .. الموافق 31 مايو 2009 " واجز "

     بسبب حياة القهر والغبن التي فرضت على مجتمعنا في بلاد الجزيرة العربية منذ عقود طويلة بفعل نظام قمعي متخلف عمل منذ احتلاله لبلاد الحرمين الشريفين على ترسيخ قيم ومفاهيم وخزعبلات وهابية بالية تكرس التفرقة والتمييز ، ولا تعترف بحقوق البشر وأولها حقوق المرأة والطفل برزت العديد من الظواهر السلبية في المجتمع ولعل من أخطرها التمييز والتفرقة ، ناهيك عن الإفرازات الأخرى والمتمثلة في ارتفاع معدلات الجريمة والإدمان على المخدرات ، وارتفاع نسب التشرد والانتحار والطلاق وغيرها .
ونتيجة لحياة القمع والتسلط التي تمارس على المواطن السعودي من قبل النظام الحاكم الذي مكن الظلم والاستعباد كنمط حياة يومي ، وسخر كل القوانين لخدمة الولاء لآل سعود ، فإن نمط هذه الحياة أنعكس على سلوكيات الفرد اليومية وتصرفاته تجاه الآخرين وأولها الأسرة بدءا من الزوجة والأبناء ، وأصبح رب كل عائلة يمارس بدوره هذه العقد النفسية على أفراد أسرته بفرض السيطرة والهيمنة والاضطهاد لزوجته وأبنائه ، خاصة إذا ما قادته الظروف إلى الإدمان على المخدرات لاعتقاده بأنها وسيلة للهروب من هذا الواقع التعيس الذي يعيشه ، لأنه وحسب نظريات علوم النفس والاجتماع ، فإن المجتمعات التي تحكمها نظم بوليسية وقمعية تبرز عليها سمة الاختلال المجتمعي والتفكك الأسري ، وبالتالي فالرجل الذي يمارس عليه القمع والظلم ، ويعاني من الاضطهاد والتمييز والتفرقة في الشارع وفي العمل يمارس هو نفس هذا الدور البغيض في بيته وعلى من يعولهم .
قضيتنا اليوم هي ظاهرة أو دعنا نقول إنها سمة بارزة في المجتمع السعودي وهي العنف ضد الأطفال وانتهاك حقوقهم والتي تتبين من خلال ما تنشره الصحف السعودية من وقائع تعرض الأطفال للعديد من الجرائم البشعة ما مدى تعمق واستفحال هذه الظاهرة العدوانية والانتهاكات تجاه الأطفال في مملكة آل سعود ، وذلك في غياب قوانين تحمى الطفل والأم من العنف .
فعلى الرغم من أن الأطفال هم الرياحين العطرة، التي تملأ الحياة بهجة وسرورا، ويضفون على البيوت أنسا ونعيما، وبوجودهم تتزين الحياة، وكيف لا يكونون كذلك وقد وصفهم الباري سبحانه بأنهم زينة الحياة الدنيا ، وهم نعمة إلهية، ومنحة ربانية، يهبها الله لمن يشاء من عباده، ويمنعها عمن يشاء، بحكمته وقدرته سبحانه .
وبما أن وجود الأطفال في المنزل يعني الحيوية والحركة والنشاط، وبدونهم يتحول البيت إلى صمت وملل لا ينقطع، في حين أن الحرمان من الأطفال والذرية هو أحد المكدرات التي تعكر صفو أي زوجين .
وحيث إن محبة الأطفال والرغبة في الإنجاب والذرية غريزة إنسانية، أوجدها الله سبحانه في نفس الرجل والمرأة حتى تستمر عجلة الحياة، ويتحقق إعمار الكون ودوام النماء إلا أن نواميس الحياة الطبيعية معكوسة في بلاد الجزيرة العربية فقد تحول هؤلاء الأطفال الأبرياء إلى حقول للتعذيب وممارسة العنف، بكل ألوانه وأشكاله .
إنها مصيبة وأي مصيبة أن يتحول أقرب الناس للطفل إلى وحش كاسر، لايرحم ولا يشفق، ولا تجد الرحمة في قلبه مكانا، ولا تتصور كيف يتحول قلب الوالد أو الوالدة إلى حجر، بل أشد من الحجر، تجاه من؟ تجاه هؤلاء الأطفال الصغار، الذين لاحول لهم ولا قوة.
في فترة وجيزة أظهرت لنا وسائل الإعلام حالات متعددة لأطفال تعرضوا للعنف والتعذيب من قبل والديهم، بعض تلك الحالات وصلت لحد القتل والتصفية الجسدية، وهو الأمر الذي يدعو إلى تحرك دولي من قبل هيئات حقوق الإنسان العالمية والمهتمين ورجال الاجتماع لممارسة الضغط على حكومة آل سعود لسن قوانين رادعة تضمن حقوق الطفل، ومحاسبة الآباء والأمهات المتهمين بالعنف ضد أبنائهم،والدعوة إلى تحرك بعض الناشطين لإنشاء جمعيات خيرية لمتابعة قضايا العنف المتزايدة تجاه الطفل والمرأة، وعقد المؤتمرات والندوات لمحاربة هذا العنف المتزايد .
وفي تحليل للكاتبة والحقوقية السعودية " مضاوي الرشيد " قالت إننا نستطيع أن نربط حالة العنف وظاهرتها المتزايدة في بلد كالسعودية إلى محاولة الذكور لاستعادة شيء من ذكوريتهم التي بددتها الدولة.
وأكدت أنه لا يمكن فهم تفشي الاعتداء على النساء والأطفال في الأسرة أو خارجها في بلد كالسعودية إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار حالة القمع التي يتعرض لها الرجال أمام أجهزة الدولة والإهانات المتكررة وحالة التهميش التي تطالهم.
وهم بذلك يفقدون القدرة على مقاومة التهميش وفقدان الذكورية المعنوية ويحاولون التعويض عن ذلك من خلال العنف الممارس على الكائنات الضعيفة في المجتمع كالمرأة والطفل أو العمالة المهاجرة وخاصة النساء اللواتي يتعرضن لعمليات اغتصاب جماعية من قبل الشباب والرجال. وأوضحت أن حالات العنف هذه تبدو كمحاولة لاسترداد بعض من مفاهيم القوة المرتبطة بالعنف الهمجي تجاه العنصر الضعيف بغياب القدرة على مواجهة مصدر القمع المركزي في الدولة وأجهزتها الكثيرة والمناط بها مهمة استسلام الفرد للقهر الجماعي المركز والآتي من الأجهزة الأمنية والثقافية والدينية.
وكلها أذرع للدولة هدفها مسح قدرة الفرد على المواجهة أو التمرد أو حتى التملص من قبضة آلة القمع المادية والمعنوية.
وأضافت أن حالة تدجين الذكور في المجتمع السعودي قد خلقت تبعيات نفسية وظواهر اجتماعية فريدة من أهمها تفشي استعمال المخدرات والكحول في شرائح اجتماعية كبيرة لا تقتصر على أماكن الفقر والعوز بل تطال الطبقات الوسطى والثرية حيث الكل ينغمس في حالة هروب من الضغط النفسي الذي تولده مرحلة القهر والإحباط التي يتعرض لها كل من يدخل الحيز العام من الشارع إلى مراكز التعليم والعمل.
وبينت الدكتورة مضاوي الرشيد أن ظاهرة العنف ضد المرأة والطفل تعتبر المختبر الواضح والصريح الذي يدل الباحث على مدى القهر العام الذي يتعرض له المجتمع وخاصة المرتبط بالأجهزة المركزية للدولة والتي لا تكتفي بالقمع الواضح والصريح بل أيضا تلجأ إلى عنف رمزي يمارس ثقافياً واجتماعياً ودينياً على شرائح المجتمع المختلفة والمتباينة.
وأشارت إلى أن الرجل في السعودية يستفرد بالمرأة في حنايا نواة الأسرة الصغيرة وهو يعلم أن قدرتها على اللجوء إلى أجهزة الدولة محدودة إما بسبب غيابها أو بسبب تعطيل عملها أو عدم فعاليتها أو بسبب كونها ما زالت مؤسسات تلوم المرأة الضحية ذاتها مما يجعل الكثير من النساء يترددن قبل اللجوء إلى مثل هذه الأجهزة ناهيك عن حالة الصمت والتكتم التي تلجأ إليها المرأة مجبرة وتحت ضغط الخوف من معاقبة المجتمع والدولة إن هي صرحت بالعنف الموجه ضدها وخاصة أنها تصبح بعد هذا التصريح إما منبوذة من قبل أسرتها أو مهمشة أو حتى متهمة تخضع للمحاسبة والعقاب رغم أنها تكون هي الضحية ، وهذا بالفعل ما حصل خلال السنوات السابقة عندما تعرضت إعلامية سعودية مشهورة للعنف من قبل زوجها أو بعض حالات الاغتصاب الجماعية التي حصلت وما زالت تحصل في أزقة وبيوت المدن السعودية المكتظة بالسكان.
وأوضحت أن حالة الضغط النفسي الذي يتولد نتيجة عملية التدجين الجماعية التي يتعرض لها الرجال وتقلص فرص الظهور على مسرح الحياة العامة وخاصة أنها محتكرة من قبل حلقات ولاء مرتبطة بالدولة ناهيك عن مسرحيات الإهانة التي يتعرض لها الرجل في كثير من المجالات العامة وآخرها ملاسنات الأمراء واتهاماتهم وإهاناتهم لعامة الشعب على الملأ تجعل من الرجل السعودي حالة مزرية مهانة فاقدة للرجولة بمعناها العريض الشامل فلا يجد فاقد الشيء إلا التعويض عنه بسلوك عنيف عله بذلك يسترد بعض ما سلبته منه دولته أولا وثانياً التغييرات الاجتماعية السريعة التي حصلت خلال العقود الماضية القليلة.
وبغياب المؤسسات المستقلة المعنية بالعنف الأسري ونقصد هنا البعيدة عن العمل الخيري الذي تتصدره الأميرات السعوديات لأنهن بشكل أو بآخر يعتبرن امتداداً لأجهزة الدولة الذكورية أو فرعها النسائي مما يجعلهن غير قادرات على التعاطي مع مشكلة اجتماعية بدأت ملامحها تظهر بشكل واضح وتنزر بإفرازات خطيرة ستعاني منها أجيال مستقبلية تتجاوز المرحلة الحالية.
هناك جيل جديد يتربى في محيط تغيب عنه صورة الأب حيث إن الكثير من أطفال السعودية ينشؤون ويتربون في بيوت بلا أب لأن الأب قرر تأسيس عائلتين أو أكثر.
وبعضهم يصبح شاهداً على معارك أسرية تذهب ضحيتها الكثير من الأمهات.
هذه المشاهد المتوترة والعنيفة تتحول إلى دروس في العنف ويصبح الرجل العنيف والذي يحل الخلافات بالضرب المبرح المدرس الأول لأبناء قادمين ويدخل المجتمع في حلقة مفرغة وطويلة تذهب ضحيتها الكثير من النساء والبنات والأطفال.
ليس عمل المرأة خارج المنزل هو المحور المدمر للجيل الجديد كما يدعي البعض، بل هو الأب الغائب لأن الكثير من الأمهات يبقين مرتبطات بالأسرة حتى ولو كان العمل يتطلب الغياب عن المنزل لفترات طويلة.
أما الأب العنيف والأخ الأعنف فأثره السيئ قد فصلناه في السطور السابقة.
لقد فشلت الدولة السعودية بمشاريعها التنموية في رسم سياسة اجتماعية متكاملة وليس بالمدن الصناعية تنشأ الأمم فقط وتربى الأجيال القادمة وليت الدولة تصرف على مشاريع ترميم وبناء المجتمع بدءا بالأسرة أولا كما تصرف على مشاريع التسلح العقيمة أو آلة القمع المتطورة، إن إفلات الرجل من قبضة السلطة وقمعها المباشر وقهرها غير المباشر هو بدء مرحلة التعاطي مع معضلة العنف ضد المرأة.
وهنا نحن بدورنا نطالب هيئات المجتمع الدولي وخاصة القانونية ، ومنظمات حقوق الإنسان بالتدخل العاجل والسريع لحماية الطفل والمرأة في بلاد الحرمين الشريفين من الانتهاكات المنظمة والمقننة التي تمارس تجاههما بفعل قوانين وهابية راسخة في العنف والاضطهاد والتمييز .
وننبه هذه المنظمات الدولية وأبناء الوطن إلى خطورة الوضع الإنساني في الجزيرة العربية الذي يوحي بجفاف القلوب القاسية من ماء الرحمة، ونذير يوحي بما تخبئه الأيام من أحداث ومعدلات مهولة لا تقف عند حد، إذا لم يتحرك الجميع، للتصدي لظاهرة العنف مع الأطفال.