|
تحولت مدينة جدة إلى منطقة موبوءة بعد أن أصبحت مياهها ملوثة، وشواطئها متسخة، وهواؤها ملوثاً، وصدور أهلها تضيق بالحساسية والربو والسعال الديكي، أمراضها كثيرة وأهمها حمى الضنك وأنفلونزا الطيور وما جاءها من حمى الوادي المتصدع.
ناهيك عن الالتهاب الكبدي والوبائي وبقية الالتهابات.. فالاختناق من شدة الزحام اصبح العنوان.
تقول دراسة صادرة عن الشؤون الصحية في جدة ان هناك مؤشرا قويا حول تلوث مياه الشرب نسبته 22% بسبب تسرب مياه الصرف الصحي إلى الخزانات الأرضية.
ونظرا لضعف البنية التحتية لجدة وكذلك التنفيذ الخاطئ لكثير من المباني والمنشآت بالإضافة الى التجاوزات المستمرة من قبل البعض بحق وبدون حق، وكذلك عدم وجود مواصفات دقيقة للبناء أدت كلها إلى تردي أحوال جدة.
جدة.. هشة
جدة ببساطة هشة.. عمقها رطب وأرضها خصبة لتوالد البكتريا والأمراض.. والتقارير والأرقام تنذر بواقع بيئي مخيف..
ان الاهتمام بالبيئة ليس ترفا، كما كان يتصور البعض بدليل ان الفزع الأكبر الذي يعيشه العالم الآن بسبب انتشار وباء أنفلونزا الطيور القاتل ذلك الوباء الذي لا يعترف بحدود سياسية أو جغرافية شأنه شأن العولمة، » فهي بجانب الهاجس الذي تعيشه من جراء انتشار هذا الوباء الدولي القاتل والذي اقترب كثيرا من حدود المنطقة بجانب هذا القلق تئن وحدها من مرض آخر خطير يسمى حمى الضنك.
وإذا كانت حمى الضنك عرفت طريقها من قبل إلى مناطق أخرى في العالم، مناطق متفرقة في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية إلا إن أكثر ما يزعج سكان جدة هو ان يستوطن هذا المرض الخطير عروس البحر الأحمر.
كما استوطن جنوب شرق آسيا وما حدث في اندونيسيا عام 2004 يبعث على القلق حيث تناقلت وسائل الإعلام تقريرا لمنظمة الصحة العالمية كشف عن إصابة 19 ألف حالة بحمى الضنك منها 336 وفاة باندونيسيا، وضرب هذا المرض منطقة جاكرتا ايضا في عام 1998 ليخلف 15360 حالة إصابة.وكانت بنجلاديش هي الأخرى على موعد مع هذه «الحمى» التي أصابت 951 شخصا خلال شهرين فقط.
تحت المجهر
هذه الأحداث تجعلنا نضع مدينة جدة تحت المجهر بهدف تنقية ثوبها من هذا المرض الذي لم يعد دخيلا إنما تحول إلى عنوان مؤلم لخريطة جدة الصحية والبيئية لم يعد دخيلا لأنه ظهر في مدينة جدة قبل 12 عاما وتحديدا في أكتوبر من عام 1993م ولم يغادرها بعد وإنما تحصن بها وترعرع في بيئتها ومزق ثوبها الأبيض.
ظهر المرض في جدة عام 1993م، وانتشر خلال عام 1994م حيث بدأ برنامج ترصد نشط للمرض والإبلاغ الفوري عن الحالات المشتبهة لحمى الضنك وقد تم تأكيد 508 حالات خلال عام 1414هـ، وعاد المرض للظهور من جديد قبل أسابيع في العروس ليشكل قلقا للمسؤولين والمواطنين على حد سواء انعكس في اهتمام مجلس الوزراء والمبادرة بوضع خطة عاجلة لمحاصرة المرض والقضاء عليه، خاصة بعد ان اصبح يهدد العديد من مناطق جدة دون تفرقة حيث بات يتربص بالسكان في الشوارع حيث «بيارات» الصرف الصحي والمستنقعات وفي الطرقات حيث تتوافد «الغربان» حتى في النوافذ حيث تستوطن البعوضة الناقلة مكيفات الهواء.
البيض الفاسد
إذا انتقلنا من الحصاد المر لحمى الضنك الى الأعراض الأخرى التي تعانيها جدة وهي أعراض تصيب الأحياء الشعبية والراقية معا، كون عروس البحر الأحمر مصنفة ضمن مدن العالم الأكثر تلوثا.. وهذا التصنيف يجعل جدة تتحمل حصتها من الأمراض المزمنة الناجمة عن هذا التلوث خاصة تلوث الهواء بفعل المصانع وعوادم السيارات وقلة المساحات الخضراء حيث رصدت التقارير العلمية أعراضا مشتركة للمناطق الحضرية التي تعاني من نسبة مرتفعة من تلوث الهواء وتشمل هذه الأعراض شعور قاطني المناطق الملوثة بالتعب و صعوبة التنفس و طنين في الأذن وضعف في السمع وغثيان وقيء و انخفاض ضغط الدم وانخفاض في الحرارة.
- أخيرا الاغماءة والوفاة إذا ما زادت نسبة التلوث بالغازات السامة أمثال غاز أول وكسيد الكربون الناجم عن الاحتراق غير الكامل للوقود وأيضا غاز ثاني وكسيد الكربون الذي يعد من أهم الملوثات التي ادخلها الإنسان على الهواء، وهذا الأخير يؤثر على الجهاز التنفسي ويجعله فريسة سهلة لأمراض الأنفلونزا.
أما غاز كبريتيد الهيدروجين فيشكل خطرا اكبر على سكان جدة وذلك لغياب شبكة متكاملة للصرف الصحي وهو غاز ذو رائحة تشبه البيض الفاسد ويتكون من تحلل المواد العضوية مثل مياه الصرف الصحي وهو غاز سام وقاتل نظرا لأنه يتحد مع هيموجلوبين الدم محدثا نقصا في الأوكسجين الذي يصل إلى الأنسجة والأعضاء الأخرى من الجسم وله تأثيرات واضحة على الجهاز العصبي المركزي والتنفسي و حدوث اضطرابات وصعوبة
السكتة الدماغية
وإذا كانت بحيرة المسك ومشكلات الصرف الصحي وتلوث المياه عموما قد أفرزت لنا حمى الضنك القاتلة، فان الأمراض المزمنة التي يفرزها تلوث الهواء لا تقل خطرا على صحة الإنسان..
وهذه المسألة تعد الشغل الشاغل لعلماء العالم في الآونة الأخيرة، وذلك في ضوء الدراسة الحديثة التي نشرتها مجلة جمعية القلب الأمريكية والتي تؤكد وجود علاقة بين هواء المدن الملوث وزيادة الإصابة بالسكتة الدماغية.
وكان علماء وباحثون تايوانيون قد قاموا بجمع بيانات عن 23179 مصابا بالسكتة الدماغية بين عامي 1997 و2000 في كاوهيسيونج اكبر المدن في تايوان و أحد المراكز الصناعية بها، وكشف العلماء انه مع زيادة التعرض للجزيئات الملوثة بالسخام المعروفة باسم «بي أم 10» وثاني اوكسيد النتيروجين تزيد حالات الإصابة بالسكتة الدماغية ويكون التأثير ملحوظا بأقصى درجة في الأيام الحارة عندما تتجاوز الحرارة 20 درجة مئوية.
وإذا أخذنا بنتائج هذه الدراسة فان جدة تصبح في مرمى الخطر المستمر نظرا لارتفاع معدلات الحرارة على مدار العام ولا يقلل من حدة الخطر النصيحة التي يقدمها البروفسور شون يويانج قائد فريق البحث للدراسة المذكورة وتقول النصيحة في الطقس الحار ننصح الناس بتجنب التلوث والبقاء بداخل المباني واستخدام مكيفات الهواء عند الحاجة.
فالأخذ بنصيحة «يانج» او بمعنى آخر الهروب من تلوث الهواء لن يكون مفيدا لسكان جدة او غيرها من مدن العالم ذات نسب التلوث المرتفعة ذلك ان التقوقع داخل المباني والتحصين بها قد يكون سببا في مرض الإنسان، فالكثير من الدراسات العلمية تشير إلى ان البيئة الداخلية لمساكننا والمباني التي نعمل فيها هي اكثر تلوثا من البيئة الخارجية.
|