دراسة حول الانترنت في السعودية تكشف سياسة تكميم الأفواه وحجب الأنظار التي ينتهجها نظام آل سعود .
الرياض - 21 شوال 1427 هـ الموافق 12 نوفمبر 2006 م ( واجز )

عندما تطل عبارة الوصول إلي هذه الصفحة غير مسموح به من نافذة الشاشة لمستخدمي الإنترنت خلال تصفحهم للمواقع الإلكترونية، فتأكد أنك في السعودية، في إشارة إلي أن الموقع المقصود تم حجبه، الأمر الذي يثير حنق الكثيرين، ولاسيما إذا كان يحتاج هذا الموقع للحصول علي معلومات معينة، وهو الأمر الذي يتكرر دائما مع الباحثين ورجال الإعلام في السعودية.
إذن فما هي قصة حجب هذه المواقع... وما هي معايير الحجب؟ تستند عملية الحجب إلي نص قرار مجلس الوزراء السعودي بشأن إدخال خدمة الإنترنت إلي السعودية، والذي يقضي بحجب المواقع التي تنافي الدين والأنظمة الوطنية.
.وقد نص القرار علي تشكيل لجنة أمنية دائمة للإنترنت برئاسة وزارة الداخلية، وعضوية عدد من الجهات، ويكون من مهام هذه اللجنة العمل علي التنسيق فيما يخص المواقع المراد حجبها علي أن يتم الحجب عن طريق مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، باعتبارها الجهة المسؤولة عن خدمة الإنترنت والإشراف عليها في المملكة. وتأتى سياسة الحجب التي بدأ العمل بها مند دخول خدمة الإنترنت في المملكة العربية السعودية في كانون الثاني (يناير) عام 1999 لان حكومة آل سعود ترغب في نوع معين من مستخدمي الإنترنت.
مستخدمون لا يتصفحون المواقع التي لا يرغبها المسؤولون السعوديون، مثل المواقع السياسية أو الدينية أو الحقوقية أو التي تنتقد الأوضاع في المملكة أو حتى منتديات الحوار التي تسمح لمشتركيها بمساحة من الحرية في الحوار، لا تتقبله الحكومة السعودية. وإعمالا لهذه الرؤية التي تنسحب علي كل وسائل الإعلام، جعلت الحكومة السعودية مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية بالرياض، هي الجهة المركزية المسؤولة عن توفير الاتصال بالإنترنت عبر الكثير من شركات مقدمي الخدمة، حيث تستخدم تلك المدينة أجهزة صممت خصيصا لها عن طريق شركة بريطانية، تقوم تلك الأجهزة بعمل فلترة وترشيح للمواقع التي ترغب الحكومة السعودية في حجبها عن الجمهور. حتى أن عدد المواقع التي تم حجبها، ومنعها في السعودية بلغ في آب (أغسطس) 2001، أي بعد نحو عام ونصف العام من تشغيل خدمة الإنترنت في المملكة نحو 200 ألف موقع، بما يعادل 250 موقعا يوميا.
تضاعف الرقم حتى وصل إلى 400 ألف موقع محجوب، مما حدا بمنظمة مراسلون بلا حدود أن تمنح المملكة أول جائزة للرقابة . ووفقا للقرار، فإن دور مدينة الملك عبد العزيز للعلوم يتمثل في تنفيذ الطلبات التي تردها من اللجنة الأمنية، ولكن نظراً لكثرة المواقع المراد حجبها، ولاسيما المواقع السياسية والإخبارية وسرعة انتشارها وتجددها، فقد ارتأت اللجنة أن تقوم المدينة بحجب تلك المواقع مباشرة دون الرجوع إلى اللجنة.
ونظرا لصعوبة وجود قوائم متكاملة للمواقع، ونظراً لسرعة انتشارها وتجددها علي الشبكة، فإن المدينة قد وضعت صفحة علي موقعها لاستقبال طلبات لحجب مواقع يري المستخدم أهمية حجبها.
إذن فطلبات الحجب انتقلت من اللجنة الأمنية وأصبحت في النهاية بأيدي المستخدم.. أي مستخدم، وتستقبل وحدة خدمات الإنترنت بمدينة الملك عبد العزيز مئات من طلبات الإغلاق يوميا، وفي المقابل تستقبل أيضا بعض طلبات الفتح لمواقع مغلقة.
ويمكن طلب فتح وإغلاق المواقع باستخدام استمارتين خاصتين بذلك. ورغم تأكيد مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية أن طلبات الحجب تخضع للدراسة والتدقيق قبل تنفيذها، فإن هناك كثيرا من الممارسات أثبتت عدم دقة هذا الكلام، وهناك اتهامات كثيرة توجه لمدينة الملك عبد العزيز بشأن عشوائيتها في إغلاق المواقع، أو قيامها بإغلاق الكثير من المواقع ثم فتحها ثم إعادة إغلاقها.
كان الفشل النسبي في مجال منع المواقع عن المواطنين السعوديين، بسبب لجوء بعض المواطنين إلى ما يسمي بالـ (Proxy Servers) الذي يسمح بتخطي الأجهزة الرقابية في المملكة، مما حدا بالسلطات الأمنية الطلب من أصحاب مقاهي الإنترنت في المملكة بضرورة الالتزام باللوائح والنصوص بشأن الإنترنت، وتتضمن تلك اللوائح والتوجيهات إلزام مقاهي الإنترنت بتسجيل أسماء المرتادين من بطاقات الهوية وأرقامها وزمن الدخول والخروج، علي أن تبقي تلك المعلومات لدي المقهى لفترة قد تصل إلى ستة أشهر وتسلم للجهات الأمنية عند طلبها، فضلا عن عدم السماح بدخول المقاهي لمن يقل عمره عن 18 سنة، إلا بمرافقة ولي أمره. وقد كان لافتئات الأجهزة الرقابية علي حقوق المواطنين السعوديين في تصفح آمن وحر للإنترنت ومنع مواقع ذات شهرة عالمية كبيرة مثل موقع (ياهو)، (وأمريكا أون لاين)، و(منتدي طوي)، (الذي أغلق لاحقا)، بل وصل الأمر لحد منع مواقع طبية أو تعليمية لمجرد ورود كلمات طبية تتعلق بجسم الإنسان حتى لو كانت تلك المواقع تورد تلك الكلمات مرتبطة بكلمة أخري مثل (سرطان الثدي)، كان لذلك أثره الكبير في ازدياد حدة الهجوم علي الحكومة السعودية من قبل الجماعات الحقوقية والسياسية، وظهور ما يعرف بالمواقع البديلة، وهي عناوين بديلة يلجأ إليها أصحاب المواقع الممنوعة ويبلغونها لجمهور الإنترنت عبر البريد الإلكتروني لتنتشر بسرعة.
خاصة مع توافر خدمات الاستضافة المجانية التي توفرها الكثير من الشركات الكبرى. المدينة الالكترونية يوجد مقر الدائرة المركزية للرقابة علي الإنترنت في مكاتب مؤمنة تقع بالطابق الأرضي بمبني مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، وإن كانت تلك الدائرة لا تضم فرقا من الخبراء المتخصين بالرقابة علي المصنفات الإعلامية، فإن معظم العاملين بها هم من الفنيين والمتخصصين ببرامج الكمبيوتر، بعضهم من فنلندا، يقومون بتشغيل برامج كمبيوتر تقوم بوظائف المرشحات التي تعمل علي احتجاز المواقع وعدم السماح بدخولها إلى خطوط شبكة الإنترنت داخل المملكة؟ وقد أوضحت دراسة قام بها كل من الباحثين جوناثان زيتران وبنيامين ادلمان من جامعة هارفارد الأمريكية، حول سياسة السعودية في حجب مواقع الإنترنت، أنها هدفت إلى الوقوف علي تحديد مدي شمولية عملية الحجب خصوصا للمواقع غير الإباحية، موضحة علي سبيل المثال أنه قد تم حجب علي الأقل 246 موقعا مصنفا من قبل ياهو علي أنها مواقع دينية (متضمنة 67 عن المسيحية و45 عن الإسلام و22 عن الوثنية و20 عن اليهودية و12 عن الهندوسية)، وتم أيضا حجب 76 صفحة مصنفة أيضا من قبل (ياهو) علي أنها مواد للدعابة و60 عن الموسيقي، و43 عن الأفلام . ويري مراقبون أن هذا يأتي في إطار سياسة التضليل والتعتيم الإعلامي الذي تمارسه حكومة المملكة السعودية وحتى لا تظهر الأمور والأحداث التي تجري علي حقيقتها تقوم السلطات السعودية بسلسلة من الإجراءات والتي من بينها التوسع في إنشاء القنوات الفضائية التي تنتهج نهجاً موالياً لها تعمل علي تسويق وترويج سياسة النظام الحاكم داخل المملكة وخارجها بالإضافة إلى عدد آخر من القنوات الإذاعية المسموعة التي تشترك مع القنوات المرئية في نفس الهدف حسب تعبير المراقبين. واضافوا ان هذا الجهد تضاعف في هذا الاتجاه بعد أن أخذت أعمال الرفض الشعبي لها تتصاعد في الآونة الأخيرة والتي بدأت في استخدام الأسلحة النارية في التعبير عن رفضها لاستمرار أسرة آل سعود في الحكم .
اما المعارضة السعودية فتري ان هناك أحداث معارضة بدأت ترتفع شيئاً فشيئاً حيث لعبت المواقع الإعلامية علي شبكة الانترنت دوراً هاماً في إنارة طرق ودروب طالما حرص النظام الحاكم علي بقائها في الظلام وهي تكشف مدي الظلم والقهر الذي تمارسه أسرة آل سعود علي شعوب الجزيرة العربية لذلك أقدمت الحكومة السعودية علي حجب مواقع عدة منها مواقع (الإصلاح) و(التجديد)، ومقرهما لندن و(وكالة الأخبار السعودية) و(المعهد السعودي)، ومقرهما واشنطن ومواقع صحيفة (الوفاق) الالكترونية وجاء ذلك بعد ما نشر الموقع تقريراً ينتقد مدينة الملك عبد العزيز التقنية ووصفها بأنها لا تجيد سوي حجب المواقع الالكترونية. وكان موقع (إيلاف) قد حجب في المملكة قبل عدة أسابيع . وأضافت المعارضة السعودية أن نظام الحكم في المملكة أصبح علي قدر من الاهتراء والهشاشة إلى حد أنه لم يعد يحتمل نقداً بسيطاً في أمر من الأمور العامة ينشر علي أحد المواقع الالكترونية أو يذاع في إحدى القنوات الفضائية، وان خير طريق وجده القائمون علي هذا النظام هو العمل علي تزييف الحقائق وتضليل الرأي العام في إطار سياسة تكميم الأفواه وحجب الأنظار.. لكن إلى متي؟