نظام آل سعود وسبب تأزم علاقاته مع جيرانه
لندن 22 شوال 1427 هـ الموافق 12 نوفمبر 2006 ( واجز )

قد لا يعود تأزم العلاقات بين نظام آل سعود وجيرانه من دول الخليج إلى مشكلة الحدود المتنازع عليها والتي لم تحل حتى الآن مع بعض دول الخليج كقطر والإمارات، بقدر ما هي مشكلة أفرزها النظام السياسي في المملكة الذي يعيش عقلية الاستعلائية في التعامل مع نظرائه الخليجيين من جهة، والجمود السياسي الذي حاول الخليجيون التمرّد عليه في منطقة مضطربة وأوضاع إقليمية ودولية شديدة التغيّر. فلم يعد الخليجيون في الجملة ينظرون إلى المملكة كـ (أخ أكبر لأسباب ومتغيرات عديدة يرفض نظام آل سعود الاعتراف بها ولازال ينظر إلى جيرانه على أنهم مازالوا (صغاراً) يستطيع أن يستعرض عليهم عضلاته. والنظام السعودي من جهة ثانية، لم يدرك بعد ما فعلته السنون به، فهو يتجاهل حقيقة أنه (هرم) وأحاطت به أمراض (الشيخوخة) وأنه لم يعد قادراً حتى على توفير الحماية لنفسه، وجلب الاحترام لذاته، فضلاً عن أن جيرانه الذين يظنّ أنهم مازالوا صغاراً أصبحوا يرونه (الرجل المريض) الفاشل في سياساته الخارجية والداخلية.
فاشل في توظيف ثروة البلاد على وجه صحيح، وهو الأكثر فساداً، والأكثر استعصاءً على الإصلاح السياسي والاقتصادي، وعلى مواكبة المخاطر المحيقة به واتخاذ الإجراءات العاجلة لمحاصرة المرض الآخذ بالانتشار في كل خلايا جسده. الدول الخليجية ـ من الناحية الفعلية ـ تشعر بعبء هذا النظام, لان هذا النظام بالنسبة لهم يريد أن يتوقف الزمن لديهم كما توقف لديه، ويريد منهم الالتزام بسياساته ورؤاه السياسية.
ونظام آل سعود الذي فشل حتى في أن يكون مرجعاً لمشاكل جيرانه وفضل أن يكون جزءً من المشكلة، لا يقبل من أي منهم التحاكم إلى غيره حتى لو كان مؤسسة دولية، ولا يقبل بأن ينسق الأشقاء الصغار مواقفهم دون أخذ رأيه حتى وإن كان الشأن داخلياً لدولتين خليجيتين. أكثر من هذا يبدي انزعاجه من الاتفاقات الثنائية بين دول الخليج ، مع أن السعودية تعدّ أكبر معوّق أمام اتفاقات جماعية اقتصادية أو أمنية، بسبب شروطها المتزايدة التي تتيح لها التدخل في شؤون الداخلية للدول الخليجية الأخرى . أكثر من هذا، فإن النظام السياسي السعودي جامدٌ، أدّى إلى تحوّل السعودية من واحة مزعومة للاستقرار، إلى مزرعة للعنف والتطرّف وعدم الاستقرار.
والجمود ليس في مسألة النهج السياسي فحسب، بل في كل شؤون الدولة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية أيضاً.. وهو جمودٌ مدمّر لأركان الدولة ولكنه نتيجة طبيعية لجمود العقلية الحاكمة نفسها، خاصة أن من يقودوا النظام السياسي السعودي قد تجاوزوا الثمانين عاماً أو شارفوا على الثمانين، في حين وصلت قيادات شابة إلى الحكم في قطر والبحرين والإمارات، وأما في الكويت وعمان فإن (الطاقم السياسي) الحاكم فيها أكثر شبابية بما لا يقاس بالسعودية نفسها. لهذا، تجمّدت عقلية نظام آل سعود وتوقفت عن الإبداع، وأصبحت عاجزة عن مواجهة التحدي الداخلي والخارجي في آن، وكل ما يقدمه مجرد نسخ قديمة مكررة لسياسات تجاوزها الزمن. في المحصلة النهائية، فإن دول الخليج، وهي تتعامل مع العقلية السعودية، تجد نفسها مجبرة على الصدام معها بصورة أو بأخرى.
ليت المسألة تتوقف عند حدّ خلافات حدودية ـ كما هي الحال مع قطر والإمارات ـ أو مصالح اقتصادية دفعت دول خليجية لتوقيع اتفاقات اقتصادية ثنائية بينها وبين الإتحاد الأوروبي من جهة وبينها وبين الولايات المتحدة الأميركية من جهة ثانية، وهي أمور انتقدت كثيراً من قبل السعوديين.
وليت المسألة أمنية ثنائية غير قابلة للحلّ، فكل دول الخليج اضطرت إلى أن تتفاهم ثنائياً بدل الالتزام باتفاقية أمنية مشتركة فرضتها السعودية بحيث تسمح لها بالتدخل.
حتى مسألة الجواز المشترك فشلت بسبب السعودية، في حين تم ومنذ سنوات استخدام البطاقة الشخصية في السفر بين مواطني دول الخليج، ولم تشذ سوى السعودية، التي شعرت بالانزعاج لاستخدام البطاقة بدون إذنها أو رغبتها. العقلية السعودية المتخلّفة والجامدة هي مصدر الإزعاج لدول الخليج عامة، وهي سبب التمرّد الصامت والعلني، وهي سبب مشكلة المواطنين السعوديين أنفسهم مع نظامهم السياسي، كما هي سبب مشكلة بقية دول الخليج مع ذلك النظام.
وحتى الآن يبدو الانشقاق عن الموقف السعودي، وعدم الاكتراث به آخذ بالتزايد. السعودية هي الأقل في الإصلاح السياسي وفي النمو الاقتصادي، وهي الأكثر تعلقاً بالأيديولوجيا المتطرفة، وبالتالي لا نموذجها السياسي ولا الاقتصادي ولا خيارها العقدي مغرٍ لأحد، والأيديولوجيا السعودية تبعث الكثير من القلق في أكثر من بلد خليجي (فعمان حدثت بها محاولة انقلاب قامت بها خلايا وهابية قبل عامين، والكويت جرت فيها تفجيرات شارك فيها سعوديون، والبحرين يتغذّى فيها التيار الوهابي بدعم مباشر من السعودية، وقيل أنه ألقي القبض على عناصر سعودية تسعى لممارسة العنف قبل عامين.