دور آل سعود في تدمير الاقتصاد الوطني من أجل
 إنعاش الاقتصاد الأمريكي

الرياض : 22 ذو الحجة 1428هـ .. الموافق 31 ديسمبر 2007م " واجز "

    التضخم ظاهرة اقتصادية غير صحية كما تقول أدبيات العلوم الاقتصادية، خاصة إذا تجاوزت حدا معينا يؤثر سلبا على الأداء الاقتصادي الوطني، لما لها من تبعات خطيرة تمس معيشة المواطنين.
وعادة ما تؤثر حركة الاقتصاد العالمي على الاقتصاديات القطرية، إذا كانت سلة الدولة من العملات مرتبطة بعملة دولية مثل الدولار أو اليورو أو الين أو الإسترليني أو غيرها، حيث يتأثر اقتصاد الدولة كلما تأثرت هذه العملة الدولية المرتبطة بها صعودا أو هبوطا.
إذا كانت أسباب التضخم تتشابك وتتعقد في اقتصاديات الدول، فإنه إلى جانب العوامل والمتغيرات الدولية يتأثر الاقتصاد المحلي بمدى نجاح السياسات الاقتصادية والمالية للدولة.
ويسعى اقتصاديو الدول دائما للتغلب على أية تغيرات أو عدم استقرار وتوازن على مستوى الاقتصاد العالمي بما لا تؤثر تلك التغيرات على الاقتصاديات المحلية.
أما إذا كانت سياسات الدولة الاقتصادية أو بالأحرى قراراتها السياسية تعمل في مصلحة اقتصاد دولة أخرى على حساب معيشة المواطنين فهذا يعد بعيدا كل البعد عن أي تخطيط اقتصادي ومالي، وفي هذه الحالة فإن دور الاقتصاديين والماليين والمخططين على السواء يكون قد استبعد كلية من ذلك، ويكون اقتصاد الدولة حينها رهينة لمصلحة متخذي القرار السياسي أو الهيمنة الخارجية على مقاليد الأمور في هذه الدولة.
نقول هذا الكلام بعد أن أكدت مؤسسة النقد العربي السعودي /البنك المركزي/ في نشرة لها صدرت خلال الأسبوع الماضي أن معدل التضخم في ثلاث مدن سعودية من بينها العاصمة الرياض تجاوز خمسة في المائة في الربع الثالث من هذا العام ليزيد بذلك على المتوسط العام في مختلف أنحاء المملكة.
وقالت المؤسسة في نشرتها إن الأسعار ارتفعت في الرياض بنسبة 9ر5 في المائة في الأشهر الثلاثة التي انتهت في 30 سبتمبر أيلول وبنسبة 2ر5 في المائة في نجران وبنسبة 1ر6 في المائة في حائل حيث سجلت أعلى معدل على مستوى 16 مدينة بالمملكة.
وأضافت أن المتوسط العام للتضخم بلغ 4ر4 في المائة في الربع الثالث.
وأظهرت البيانات أن ضعف الدولار هذا العام ساهم في رفع كلفة الأغذية والمشروبات بنسبة 5ر6 في المائة في الربع الثالث بينما قفزت الإيجارات 5ر9 في المائة.
وقالت المؤسسة إن التغير في أسعار السلع المستوردة عامل مهم يؤثر على مستوى التضخم في البلاد.
وأضافت أن نحو 5ر14 في المائة من واردات السعودية في عام 2006 كان من الولايات المتحدة و7ر23 في المائة من أوروبا و5ر9 في المائة من اليابان و1ر8 في المائة من ألمانيا.
وأظهر استطلاع أجرته رويترز هذا الشهر أن معدل التضخم قد يرتفع إلى 1ر4 في المائة العام المقبل من 8ر3 في المائة هذا العام.
ويضيف تقرير المؤسسة أن محاربة التضخم مقيد في المملكة بربط الريال بالدولار إذ أنها تضطر للاقتداء بالسياسة النقدية الأمريكية التي تتجه لخفض الفائدة.
وكان مجلس الاحتياطي الاتحادي /البنك المركزي/ قد خفض أسعار الفائدة بمقدار نقطة مئوية منذ 18 سبتمبر أيلول لاحتواء تداعيات أزمة الرهن العقاري، حيث سمحت السعودية في أعقاب ذلك بخفض بعض تكاليف الاقتراض.
نعود لنؤكد أن التضخم المخيف الذي حل بالاقتصاد السعودي وما صاحبه من ارتفاع جنوني للأسعار فاق قوة المواطنين الشرائية، هو في أساسه بناء لأوامر من الملك عبد الله الذي أغمض عينيه على معاناة وفقر شعب الجزيرة العربية من أجل مساعدة أسياده الأمريكان في النهوض من الأزمة التي يعانيها الاقتصاد الأمريكي.
يقول جون دفتريوس، معد ومقدم برنامج "أسواق الشرق الأوسط CNN" الجديد رغم "النصائح" المتطابقة لقرابة 95 في المائة من خبراء الاقتصاد في المنطقة، قررت حكومة الرياض عدم القيام بأي شيء حيال قضية عملاتها المرتبطة بالدولار، مما يعني- في الوقت الحالي استمرار الولاء للبيت الأبيض وعملة أمريكا الخضراء المزعزعة من جانب آخر أكدت الدكتورة ناهد طاهر، المدير التنفيذية لمصرف "غلف وان" الاستثماري، أن السعودية لا تستورد سوى 20 في المائة من حاجياتها من الولايات المتحدة.
ونقل دفتريوس عن الخبيرة الاقتصادية الشابة، قولها إن ضعف الدولار وارتباط الريال السعودي به، قاد المملكة إلى تسجيل معدلات قياسية من التضخم المستورد.
ويأتي ذلك بفعل الارتفاع الذي أصاب أسعار البضائع الأوروبية والبريطانية والصينية والهندية المصدر، الأمر الذي سبب ضغطاً كبيراً على عامة الناس في البلاد، حيث إن التضخم حرم 90 في المائة منهم الاستفادة من عوائد النفط المرتفعة، فيما يقول الكثير من العمال الأجانب إن تراجع الدولار قد يكون سبباً لعودتهم إلى دولهم الأصلية.
لقد رفضت حكومة آل سعود الإصغاء للعديد من المناشدات التي أطلقها مسؤولون من قطر والإمارات لتعديل سياستها حيال الدولار، وهذا سيمنح العملة الأمريكية وقتاً كافياً للتعافي، فيما يتراجع التوتر مع طهران بالتزامن مع تقديم وزارة الخزينة الأمريكية رؤيتها لوسائل حل أزمة الرهن العقاري.
وربما كان جون سفكيناكيس، كبير خبراء الاقتصاد في مصرف "ساب" الذي تربطه علاقة شراكة بمصرف HSBC البريطاني، أحد أبرز من توقع بألا تقدم الرياض على فك ارتباطها السياسي والاقتصادي بواشنطن ، قد تجنب أن يقول للصحفي الاقتصادي الأمريكي دفتريوس "ألم أخبرك بأن السعودية لن ترمي بثقلها بوجه واشنطن، بل خلفها، خاصة وأن المنتج الأكبر للنفط في العالم لن يخاطر برفع قيمة عملته وخفض عوائد منتجاته المسعرة بالدولار،".
وخلاصة القول إن قادة الخليج تجنبوا بعد ضغوط من آل سعود الخروج بقرار "تاريخي" لتعديل قيم عملاتهم عندما كانت أنظار العالم كله متوجهة إليهم.
وهنا يطرح الاقتصاديون سؤالا غاية في الأهمية والخطورة مفاده: لماذا تصر عائلة آل سعود على إنعاش الاقتصاد الأمريكي في مواجهته للتكتلات الاقتصادية الدولية شديدة المنافسة ولماذا تصر هذه العائلة على الاستمرار في ربط عملتها بالدولار على الرغم من الكبوات المتلاحقة التي حدثت له، وذلك على حساب معيشة المواطن السعودي، وهل أغفلت حكومة آل سعود أو تغافلت عن ارتفاع مؤشرات التضخم والبطالة والفقر بين مواطنيها؟.. ثم ماذا يستفيد المواطن السعودي من هذه السياسة الاقتصادية أو بالأحرى القرارات السياسية البعيدة كل البعد عن منطق الاقتصاد أو المصلحة الوطنية للمملكة؟.. الفائدة الوحيدة المرجوة من هذه السياسات اللاعقلانية هي أن يقابل الأمريكان هذا الصنيع بتأكيدهم حماية أسرة آل سعود من أية مخاطر تواجهها سواء من الداخل ونعني الرفض الداخلي لوجود هذه الأسرة أصلا في بلاد الجزيرة العربية أو من الخارج خاصة إذا عرفنا أن السياسة الخارجية لأسرة آل سعود هي الذراع للسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط سواء في العراق أو فلسطين أو لبنان أو غيرها من دول المنطقة.
الخاسر الأول والوحيد جراء هذه السياسة الاقتصادية هو المواطن السعودي الذي تؤكد كل المؤشرات بأنه ازداد فقرا وبات عاجزا عن الإيفاء بمتطلبات الأمور المعيشية اليومية، أما الرابح الأكبر فهو أولا الاقتصاد الأمريكي الذي يدعم آلة الحرب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين واللبنانيين والعرب عموما، ثم عائلة آل سعود التي تحتمي بالقوة الأمريكية لبقائها واستمرارها جاثمة على صدور أبناء الجزيرة العربية.
ويبقى الأخطر من ذلك وهو السؤال عن مدى شرعية وجود أسرة آل سعود في الجزيرة العربية طالما مصلحتها تتقاطع ولن تتوازى مع مصلحة مواطني الجزيرة العربية أو المنطقة العربية. لعل الإجابة يملكها مواطنا بلاد الحرمين الشريفين حيث يضيق بهم الحال ولن يجدوا بديلا عن التغيير.