الضرب والإهانة هي حال المعلم في السعودية

حائل : 28 ربيع الثاني 1428هـ الموافق 15 مايو 2007 م "واجز"

    أن تكون معلما في أغلب البلدان يعني أنك متميز في المجتمع بالفضائل والخصال الحميدة، ويعني أيضا احترام الناس لك وتقديرهم وتبجيلهم لشخصك لأنك رسول العلم وصانع العظماء.
وأن تكون معلما في مملكة آل سعود يعني أنك مسخرة للطائشين وملطشة للنظام القانوني والإداري في المملكة.
فلا قانون يحميك ولا مجتمع يبجلك ويحترمك وعليك أن تتدبر أمور نفسك وتبحث عن الفكاك من هذه المسخرة بإهمال واجباتك ومحاباة الطلبة الفاشلين ومنحهم درجات النجاح حفاظا على ماء وجهك وصونا لكرامتك، خيرا من أن يتم صفع وجهك أمام بقية الطلبة أو حتى أمام أفراد أسرتك وأنت تسير في الشارع.
طلاب بحائل على سيارات بعض المعلمين جانب من اعتداءات الحال الذي وصل إليه المعلم في مملكة آل سعود يدعو حقا للشفقة عليه وفي الوقت نفسه يدعو للسخرية من النظام "الإداري" في بلاد الحرمين الذي أضحت فيه النعاج أسودا، وبات المعلم فيه تحت رحمة جلاديه من الطلبة الفاشلين وأولياء الأمور النافذين في الحكومة لأن القانون لا يطالهم باعتبارهم فئة اجتماعية ليست كبقية البشر في السعودية.
وظيفة المعلم في بلاد آل سعود تغاير وظيفة المعلم في جميع دول العالم من المنظور الاجتماعي والقانوني أيضا، ولا يشفع لآباء هؤلاء المارقين من الطلبة أن يتحدثوا عن القوانين السارية في المملكة لأن هذه القوانين يتم تطبيقها متى شاء ولاة الأمر وعلى من يرغبون تطبيقها.
المعلم الذي يفترض أن تكون له هيبة وأن يكون قدوة في الشهامة والكبرياء هو في السعودية عكس ذلك فالمعلم يهان ويداس على أنفه بالجزمة وتهان كرامته أمام أعين الجميع، بل أن المعلم في السعودية وإمعانا في إهانته يتم توزيع حالات ضربه وإهانته والتي تصور بالجوالات على جميع المواطنين من خلال البلوثوث ليعرف بقية المعلمين مصيرهم الشنيع إن هم قاموا بواجباتهم المهنية والإنسانية على أكمل وجه ولم يداهنوا وينافقوا الفاشلين من الطلبة وذويهم.
وحالات الاعتداء التي تعرض لها المعلمون خلال الفترة الماضية خاصة في حائل أثارت استياء هذه الشريحة في المجتمع، وأبدى هؤلاء المعلمون تخوفهم من تنامي هذه الظاهرة وانتشارها في المؤسسات التعليمية.
وقد أكد العديد من المعلمين والتربويين الاختصاصيين أن سبب انتشار هذه الظاهرة هو تهميش دور المعلم ومنعه من معاقبة الطالب والاكتفاء بالتوجيه الشفوي والتحريري الذي سرعان ما يختفي وسط متاهات الإدارة البيروقراطية وفقا للائحة السلوكية التي أصدرتها وزارة التربية والتعليم.
وطالب هؤلاء بضرورة إعادة هيبة المعلم إلى سابق عهدها ومنح المعلم صلاحية العقاب البدني وفق ضوابط كما كان معمولا به في السابق لردع المخالفين و تعويدهم منذ الصغر على التقيد بالنظام والآداب العامة واحترام المعلم.
وأشار هؤلاء إلى أن العقاب نجح منذ قرون ولا يمكن ألا ينجح في هذا الزمان خاصة في ظروف غياب القانون الرادع في السعودية هذه الأيام.
من جانبه أوضح أحد ضباط الشرطة في منطقة حائل أن ظاهرة الاعتداء على المعلمين قد انتشرت مؤخرا بشكل ملفت للنظر، سواء بضرب المعلم داخل أسوار المدرسة أو خارجها، وأضاف أن الأمور تمادت إلى تصوير تلك الاعتداءات ونشرها في مقاطع البلوتوث دون وازع من دين أو ضمير في مناظر مقززة ومثيرة للشعور بالغبن وليتخيل الإنسان الفاعل أن من بين مشاهدي هذه المقاطع أقارب هذا المعلم أو أسرته ومدى ما يلحق بهم من شعور بالإحباط والإهانة.
وأضاف أن تمادي هذه الفئة المنحرفة من الطلبة بتشجيع من أسرهم وسكوت القانون والمجتمع على ممارستهم بإهانة معلميهم يستوجب التدخل الأمني بسرعة وبشكل عاجل لأن هذه الفئة إن وجدت من يحميها من العقاب ومن يحتضنها إذا تجاوزت ويغض الطرف إن أهملت فسوف يشجع هذا الآخرين على أن يفعلوا مثل ما فعلت.
يوضح أحد التربويين في معرض حديثه عن هذه الظاهرة مرددا قول الشاعر" "إذا كان رب البيت بالدف ضاربا فلا تلومن أهل البيت عن الرقص" ويقول إن المدارس نموذج مصغر للواقع الاجتماعي، وهنا يبرز تساؤل هل هناك غياب في آليات الضبط الرسمية؟.. ويجيب على ذلك بالقول إن هذا الغياب يؤخذ من منظور كلي للضبط الاجتماعي القانوني للدولة.
فالمدارس لم تكن كما كانت في السابق مؤسسة تربوية وتعليمية بل هي الآن مقر يستعرض فيه الضالون قدراتهم ونفوذهم على الضعفاء بينهم وهم هنا المعلمون ، وهذا للأسف ينسحب على الدولة بمؤسساتها.
مؤكدا من جانب آخر أن الدولة هي المسؤول الأول والأخير على ما آل إليه حال المعلم في السعودية من مهانة وذلك من خلال منع أساليب العقاب المتبعة في المدارس منذ مئات السنين والتي جعلت من المعلم نموذجا مثاليا يقدر أكثر مما يخاف.
أحد المعلمين قال إن مهنة المعلم أصبحت في السعودية مهنة غير شريفة وأصبح هناك عزوفا اليوم عن هذه المهنة، لأن بعض الطلبة تمادوا في إهانتهم لمعلميهم بسبب الدلال الزائد من قبل أولياء أمورهم، بل أنهم أصبحوا لا يحترمون حتى من هم أكبر سنا منهم، وأعرب هذا المعلم عن مخاوفه من أن تصبح ظاهرة ضرب المعلمين وإهانتهم خارج السيطرة، خاصة بعد ضبط العديد من الطلاب يحملون أسلحة بيضاء ونارية عند حدوث مشاجرة بينهم وذلك في عدد من المدارس.
وكيل ثانوية بحائل طالب بإعطاء صلاحيات للمعلم ولإدارة المدرسة وللجنة التوجيه والإرشاد بفصل الطلبة في حالة تجاوزهم أو تعديهم على مدرسيهم أو زملائهم الطلاب أو القيام بتصرفات غير أخلاقية. وأشار إلى أن الروتين المتبع حاليا في حالة المخالفات يعطي الطالب فرصة التمادي لأن القرار يحتاج لوقت طويل قبل صدوره كما أن اللائحة الحالية أقل فاعلية من لائحة الأعوام السابقة، لذلك نتوقع أن تزداد المشاكل وتكثر حالات التعدي على المعلمين وضربهم.
وأضاف أنه في حالة التعدي على موظف في إدارة حكومية نجد تلك الجهة هي من يتبنى القضية وهي من يطالب بمعاقبة المعتدي بينما في حالة ضرب معلم أو التعدي عليه تتحول القضية إلى قضية شخصية وتتنصل الوزارة وإدارة التعليم من القضية وكأن الأمر لا يعنيهما مما يحز في خاطر المعلمين ويشعرهم بالإحباط، بينما عندما يشتكي طالب أو ولي أمر على معلم تجد أن القضية تتفاعل بشكل سريع وتعطى أكبر من حجمها وكأن المعلم قد اقترف جريمة كبرى ويتسابق المسؤولون على الظهور وتكثر التصريحات عبر وسائل الإعلام بأن التحقيق جار وأن المعلم سينال العقوبة الرادعة وهذه إشارة ضمنية لأن يتصرف الطالب بما يحلو له وأنه سيكون بمأمن من العقاب كونه دائما على صواب وأنه لا يتحمل نتائج ما يقوم به.
وقال إن هناك نماذج من الطلاب لا يصلحون للبقاء في المدارس لأنهم يفسدون أكثر مما يستفيدون وللأسف هم من أبناء المسؤولين في الحكومة، فيجب عمل برامج إصلاحية خاصة بهم تطبق في بعض المدارس ويتم نقل هذه الفئة لها.
وأضاف أن هناك شعورا غير معلن لدى الكثير من المعلمين بعدم الرضا عن الوضع الحالي بسبب حالات التعدي على زملائهم، مشيرا إلى أن بعضهم لو أتيحت لهم فرص وظيفية مناسبة لخرجوا من سلك التدريس الذي أصبح غير آمن بالنسبة لهم.
وقال أحد المشرفين التربويين بحائل إن المدرسة والمعلم، فقدا الهيبة بسبب الأنظمة التربوية واللوائح والإجراءات الإدارية والقوانين السارية أيضا، ومنها منع الضرب والعقاب بشتى أنواعه حتى أصبح الطالب لا يحسب لهم حسابا أبدا وطالب بضرورة تدارك الأمر قبل أن يستفحل.
وأضاف مشرف برامج عامة وتدريب بالإدارة العامة للتربية والتعليم بحائل مليحان بن صالح المليحان أنه يجب أن يأخذ المعتدي جزاءه الرادع سواء كان معلما أو طالبا أو مواطنا فالكل سواسية، مشيرا إلى أن هناك ضوابط لدى التوجيه والإرشاد لو فعلت كما يجب لكانت كافية للحد من هذه المشاكل التي تواجه المعلمين وفيها من العقوبات ما يكفي لردع الطالب المعتدي.
وأكد معلم بأحد المدارس الثانوية أن ظاهرة التعدي على المعلمين أمر خطير يجب أن تواجه بحزم من خلال الأنظمة واللوائح سواء في وزارة الداخلية أو وزارة التربية والتعليم لحفظ حقوق المعلم، فكما يطالبه المجتمع بالقيام بمهام مهنته الشريفة بتربية الأبناء وتعليمهم، يجب أن يشعر هو بتوفر الآمان له وحماية حقوقه وممتلكاته من عبث بعض المستهترين والخارجين عن النظام.
تحدث أحد الموظفين بوزارة العمل فقال كنت أعمل مدرسا ولكن الحمد لله خرجت من التعليم وتنصلت من هذه المهنة، وأضاف كنت أخرج من المدرسة وأنا خائف من الطلاب حتى أصل بيتي، وطالب هذا المدرس السابق بضرورة منح المعلم نفس الصلاحيات الممنوحة للأستاذ الجامعي حتى يستقيم الطالب ولا يفكر في إهانة معلمه خوفا من ضياع مستقبله، خاصة وأن نظام الدراسة والامتحانات يقضي بتجاوز بعض المواد.
معلم آخر عبر عن مرارته مما يجري فقال صرتُ أخشى على نفسي من (الفضيحة) فإن تضرب ثم يصورك الطلاب ثم ينتشر البلوتوث ستبقى لعنة تطارد المعلم طيلة حياته .
أتمنى أن يرزقني الله بوظيفة أخرى وأخرج من التعليم حتى لو خسرت ربع أو ثلث راتبي لأن صحتي ,وكرامتي , وراحتي لا تقدر بثمن .