|
عندما يغيب القانون في أي مجتمع فإن الفوضى تحل محله وتصبح هي المعيار الذي يتخذه الناس في توجيه سلوكيات هذا المجتمع، حيث ينتفي عامل الردع الجزائي وينتفي معه الخوف من القانون بل وتنهار معه منظومة أخلاقيات المجتمع وأعرافه.

وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة يصبح كل شيء مباحًا لتكون الكلمة العليا للأقوياء فقط ولتكون هي الفيصل في المنازعات، عندها يغيب دور الحكومة وأدواتها التنفيذية ويصبح عناصر الضبط القضائي فيها مجرد ديكور تتزين به هذه المدينة أو تلك فترى أفراد الأمن أو بشكل عام عناصر الضبط القضائي يتجولون في الشوارع دون أن يستطيعوا تحريك ساكن فيها.
وبالتالي فإن المحصلة هي انتشار الجريمة والفساد والرذيلة في أوساط هذا المجتمع، وإذا ما مورست هذه الممارسات في الخفاء فإن ذلك ليس مؤشرا على وجود حكومة قوية فاعلة بل هو انعكاس لعادات وسلوكيات المجتمع التي ما تزال بقاياه تقاوم مثل هذه السلوكيات رغم إنها لا تستطيع المقاومة طويلا إذ سرعان ما تراها تنهار أمام هذا الاجتياح الخطير.
نعود من حيث بدأنا فنقول إن المجتمع السعودي قد دخل هذه الدائرة من الفوضى منذ سنوات خلت، حتى باتت الفوضى شعارا في حياة الناس في بلاد الحرمين .
فقد ارتفعت نسبة الجريمة وأصبحت تأخذ طابع التنظيم وفق الإحصائيات الرسمية، وعمت الرشوة دوائر ودواوين الحكومة وبات كل من يعيش في بلاد الحرمين يحتكم لهذه المعايير ولا يلتفت للأجهزة الأمنية طالما أنه لا يصطدم بمصالح أسرة آل سعود وأمرائها.
بل أن المواطن أصبح يعتمد على نفسه ويقتني السلاح الناري لحماية نفسه وسط قانون الغاب هذا.
من ضمن المخاطر التي يتعرض لها المواطنون في السعودية هي انتشار حالات بيع الأطعمة الفاسدة وانهيار المنظومة الصحية في البلاد بحيث صارت حياة المواطن معرضة للخطر في أي لحظة وفي أي مكان في البلاد.
التناقض الظاهري الذي يعيشه المواطن السعودي المتمثل في حالات المداهمات لبعض المحلات وضبط البضائع الفاسدة لا تعني مطلقا وجود القانون، بل إنها تأتي، وفق تحليلات بعض الاجتماعيين، بأن مسؤولا ما يريد إبراز نفسه في الوسط الحكومي أو الاقتصادي تحديدا مع ما تروجه له الصحافة الحكومية من أمجاد مزيفة ليصبح بطلا يخاله الناس يدافع عن مصالحهم المغيبة. أما الجانب الآخر في مثل هذه المداهمات فيأتي في فترات متباعدة وبشكل واسع نتيجة لانتشار مرض ما بسبب تناول أطعمة فاسدة أو حالات تسمم تصيب مجموعة من الناس الفقراء منهم بالذات للسبب نفسه بعد سيطرة الأطعمة الفاسدة على أسواق المملكة.
جانب من الحملات التفتيشية وسط زحام الناس للفت الأنظار
وهو ما تؤكده الشواهد بين الفينة والأخرى.
ففي جدة على سبيل المثال تمت مؤخرا عمليات مداهمة محدودة على محلات بيع المواد الغذائية الفاسدة والمطاعم خلال فصل الصيف الحار واستعدادا لموسم العمرة الذي يعقبه موسم الحج، المواد الغذائية غير الصالحة للاستهلاك الآدمي.
حيث تم في بلدية جدة ضبط طن من المواد الغذائية غير الصالحة للاستهلاك الآدمي بأحد المحلات المعروفة ببيع المواد الغذائية الفاسدة وقامت بإغلاق المحل ومصادرة رخصته ونشر ذلك في الصحف الحكومية المحلية.
أما في بلدية أبحر الفرعية فقد تم خلال الشهرين الماضيين ضبط عدد "1080" كيساً من المكسرات تم توجيهها إلى الجمعيات الخيرية من قبل أحد التجار الكبار من ذوي النفوذ.
إضافة إلى مصادرة حمولة "12" سيارة وانيت من الخضراوات والفواكه و833 كيلو جراماً من الحلويات.
ومن جانب آخر تقوم هذه الأجهزة بتغريم بعض المحلات لأسباب يعتبرها أصحاب المحلات بأنها غير قانونية ولا مبرر لها من أجل إيهام المواطنين بأن الحكومة ما تزال تسيطر على الوضع، فقد غرمت بلدية الشرقية الفرعية 70 محلا مخالفا دون أسباب واضحة.
كما تم في الشرقية أيضا ضبط ومصادرة حمولة 43 وانيتاً من الخضراوات والفواكه.
كما صادرت بلدية العزيزية الفرعية بأمانة محافظة جدة حمولة "273" سيارة من الخضراوات والفواكه من الباعة الجائلين خلال الأشهر الماضية سلمت جميعها إلى الجمعيات الخيرية لاستهلاكها.
كما تمت مصادرة حمولة 125 سيارة من الخضراوات والفواكه وتسليمها إلى الجمعيات الخيرية أيضا في بلديتي خزام والبلد بمحافظة جدة.
يرى العديد من الاقتصاديين في السعودية أن شيوع ظاهرة بيع الأغذية الفاسدة هو مؤشر واضح يعكس انتشار ظاهرة الفقر في المجتمع السعودي، حيث إن رخص ثمن هذه الأغذية يمكن الفقراء بل ويشجعهم على شرائها باستمرار، وتعتبر شريحة الفقراء التي تتجاوز نسبتها ثلث السكان من أكثر شرائح المجتمع السعودي عرضة لأمراض التسمم وغيرها من الأمراض المسرطنة.
يقول العديد من المواطنين الذين استطلعت آراءهم وكالة أنباء الجزيرة "واجز" إن محلات بيع الأطعمة الفاسدة معروفة جيدا للحكومة ، وهي تحتاج بين فترة وأخرى لمداهمتها ونشر أخبارها في الصحف الحكومية ، خاصة عندما يرتفع مؤشر أزمة ما سياسية أو أمنية سواء كانت على صعيد السياسة الخارجية أو في صراع الأمراء فيما بينهم أو في عدم الاستقرار السياسي والأمني الداخلي.
|