الفقر في المجتمع السعودي سبب وليس نتيجة
لكارثة سوق الأسهم

الرياض: 16 شعبان 1428 هـ الموافق 29 أغسطس 2007 م " واجز "

     عقب الكارثة الاقتصادية والاجتماعية التي حلت بالمجتمع السعودي في شباط/ فبراير من السنة الماضية بسبب انهيار سوق الأسهم الذي لا زال يواصل انهياره قال عنه كثير من المحللين الاقتصاديين بأنه مدبر من طرف أمراء آل سعود وما عرفوا آنذاك بهوامير البورصة، بدأت آثار هذا الانهيار على أفراد المجتمع تظهر للعيان ولعل أبرزها اتساع رقعة الفقر بين المواطنين إضافة إلى الأمراض الاجتماعية والنفسية الأخرى التي أفرزها ذلك الانهيار.
إن الآثار الاجتماعية والاقتصادية الخطيرة لانهيار سوق الأسهم السنة الماضية والتي أصبح المواطن السعودي يعيشها منذ مدة لم تعد خافية على أحد سواء داخل المملكة أو خارجها أو حتى من خلال تقارير السفارات التي ترسلها إلى دولها عن الحالة الاقتصادية للمواطن السعودي.
ونتيجة لهذه التداعيات الخطيرة وفي محاولة يائسة لرأب هذا الصدع "السياسي" سعت حكومة آل سعود إلى إجراء دراسة عن الآثار الاجتماعية والنفسية والاقتصادية لانهيار سوق الأسهم.
وحسب بعض المسؤولين الحكوميين فقد تعاقدت وزارة الشؤون الاجتماعية مع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في شهر رجب الماضي لإجراء هذه الدراسة مقابل 900 ألف ريال.
وحسب بعض الخبراء الاقتصاديين الذين شاركوا في إعداد خطة الدراسة فإن هذه الدراسة وحسب فرضياتها سوف تطال المجتمع السعودي بأسره كون أهم ركن فيها هو دراسة حالة الفقر للمجتمع السعودي وانعكاسات انهيار سوق الأسهم عليها، إلا أن دراسة حالة الفقر في المجتمع السعودي والتي يفترض أن تكون أحد أهم أركان الدراسة لا يمكن أن تكون كذلك باعتبارها ظاهرة سابقة لانهيار السوق أصلا، وبالتالي لا يمكن أن تكون نتيجة بل هي ظاهرة سابقة تحتاج إلى دراسة مستقلة ومستفيضة تجند لها كل الإمكانيات باعتبارها مشكلة وطنية من الدرجة الأولى.
هذا ما أشار إليه فريق الدراسة، والذي تجاوز عدده المائة خبير، قبل أن يبدأ عمله، مما أدى إلى تعثر أو بالأحرى انهيار الاتفاق المشار إليه، وفي سبيل التقليل من حجم هذه المشكلة المترتبة عن انهيار سوق الأسهم وبروز ظاهرة الفقر في المجتمع السعودي كنتيجة والتي تمسك بها المسؤولون الحكوميون لإلزام فريق الدراسة بها؛ بدأت أحاديث المسؤولين الحكوميين تصب في أن تعثر الاتفاق كان نتيجة لعدم التفاهم عن قيمة العقد والبالغة 900 ألف ريال وليس بسبب تمسك فريق الدراسة بعدم الخلط بين مشكلتين تحتاج كل منهما إلى دراسة مستقلة.
وإذا كانت الصحف الحكومية قد نقلت عن مصادر في وزارة الشؤون الاجتماعية بأن هناك مفاوضات جرت مع الجامعة لتخفيض قيمة العقد إلى 300 ألف ريال فقط، فقد أوضح بعض أعضاء فريق الدراسة أن هذا المبلغ سوف يقتصر على سكان الرياض المنكوبين من انهيار سوق الأسهم دون غيرهم من سكان المدن والمناطق الأخرى بالمملكة، مؤكدين في الوقت ذاته أن هذه الدراسة وإن تمت فستكون ناقصة ولا يمكن تعميمها على بقية المنكوبين السعوديين، كون سكان الرياض مثلهم مثل بقية سكان المدن الأخرى يعانون أصلا من ارتفاع الأسعار علاوة على أن أغلبهم يصنفون اقتصاديا بأنهم ضمن شريحة محدودي الدخل، وهو تعبير مجازي يقصد به شريحة الفقراء في المجتمع.
ويشير باحث اقتصادي بفريق الدراسة إلى أنه رغم صدور الإحصائيات الديموغرافية عن السكان وخصائصهم الاجتماعية والاقتصادية قبل سنة تقريبا من كارثة البورصة إلا أنه حتى تلك الأرقام "الحكومية" لا تخلو من دلالة هامة على هذا الصعيد وهو ارتفاع مؤشر البطالة والفقر في المجتمع السعودي عن السنوات السابقة، بما يؤكد أن الآثار المترتبة عن انهيار سوق المال ربما تكون نتيجة وليست سببا وهي لا تعني شيئا مع تداعيات ظاهرة الفقر والتي شبهها الباحث بلعبة "الدومينو" التي تتداعى جميعها بمجرد تحريك قطعة واحدة منها، مضيفا بأنها أضافت أرقاما أخرى لظاهرة الفقر الموجود وليست سببا لها.
محلل مالي ضمن فريق الدراسة أكد أن الحكومة لم تكن لها النية الصادقة في حل مشاكل منكوبي سوق الأسهم بدليل أن وزارة المالية لم توافق حتى الآن على المبالغ التي تم الاتفاق عليها بين الجامعة ووزارة الشؤون الاجتماعية.
وأشار إلى أن الدراسة المزمعة لا تتناول أسباب الكارثة بل نتائجها لأن الأسباب حسب رأيه تتشعب لتلتقي في هرمية التحقيق في العائلة المالكة وشركائهم الذين أسماهم بـ"مخدمي أموال الأمراء".
أستاذ في علم النفس الاجتماعي أشار إلى أنه رغم أن الآثار النفسية والاجتماعية لا تقيّم حسابيا غير أن فريق الدراسة وضع معايير وأسسا لتقييمها حسابيا، مضيفا بالقول إذا كانت خسائر كارثة سوق الأسهم قد تجاوزت 2 تريليون ريال حسب المصادر الحكومية فإن آثارها النفسية والاجتماعية تتجاوز هذا الرقم بأضعاف مضاعفة، وهذه الآثار سوف تستمر لسنوات عدة لتعاني منها الأسر القائمة الآن كما ستعاني منها الأسر المستقبلية والأجيال القادمة أيضا قبل أن يندمل الجرح الذي بات غائرا في جسد هذا المجتمع.
يؤكد باحث اجتماعي وهو من أعضاء فريق الدراسة أيضا بالقول: إلى أن يعي حكام السعودية تداعيات هذه الكارثة الحالية والمستقبلية سوف تستمر حالة التردي الاقتصادي للمواطن السعودي نحو الأسوأ وسوف تفرز السياسات الاقتصادية للحكومة المزيد من الكوارث الوطنية إضافة إلى الفقر والبطالة والأمراض النفسية للمواطن السعودي بحيث يستعصي حل هذه الرزمة من المشاكل في دراسة واحدة أو حتى سلسلة دراسات.