|
على الرغم من الفساد المستشري في مملكة آل سعود وعلى الرغم من الغبن والظلم اللذين يعيشهما المواطنون، فقد أصبح ذلك جزءا من الحياة اليومية للمواطنين يصبحون ويمسون عليه كل يوم.
وعلى الرغم من استشراء الفساد في كل دواليب الدولة حتى أصبحت التعيينات في المناصب العليا والمتوسطة والتنفيذية تخضع لمعايير الولاء فقط بعيدا عن الكفاءة والقدرة، فإن مأساة المواطن في بلاد الجزيرة العربية التي تتحدث عنها وسائل الإعلام العالمية كل يوم تصبح وصمة عار على جبين المواطن كونه فردا في مجتمع يعج بالمتناقضات والفوضى وغياب القانون.
والأسوأ من ذلك أن يتحدث آخرون من غير المواطنين عن وصمة العار تلك والذين عايشوها عن كثب وشاهدوها بأم أعينهم، ليكونوا في النهاية صورة قاتمة عن مجتمع الجزيرة العربية تشمل الصالح والطالح على السواء ينشرونها عبر وسائل الإعلام ليقرأها الجميع .
ما يدفعنا لقول هذه الحقيقة المرة ما كتبه "فرانسوا باسيلي" الذي عمل طيلة سبعة أعوام بالمملكة في مقال له لأحد المواقع الإلكترونية ليخرج بحقيقة مؤداها فساد نظام آل سعود الذي وصفه بالـ"لغز".
يقول باسيلي: حين أكتب عن النظام السعودي لا أكتب عن دولة ومجتمع سمعت عنهما من بعيد، وإنما أكتب عن دولة ومجتمع عايشتهما وعرفتهما عن قرب، فقد أقمت في السعودية سبع سنوات كاملة أعمل مع شركة "بكتل" مديرا لقسم الترجمة ثم مديرا للمشروعات التجارية في مشروع الجبيل ، وقد أتاح لي ذلك أن أعايش فترة هامة من فترات تطور المجتمع السعودي المعاصر ، وأن أشاهد عن كثب الكثير من بوادر الأمل التي كانت تلمع في عيون شبابه ، جنبا إلي جنب مع عوامل الإحباط الحكومية التي كانت تسارع إلي إجهاض هذه البوادر قبل أن تتمكن من أن ترى النور، حتى وصل الحال إلى ما هو عليه اليوم من وضع كارثي مأساوي تعيشه المملكة دولة ومجتمعا .
الحركة الوهابية التي تسيطر على حياة المواطنين أخرجت للعالم أكبر حركة إرهابية عالمية بزعامة السعودي أسامة بن لادن سليل عائلة سعودية مرموقة ومقربة من أسرة آل سعود .
ويتساءل الكاتب كيف وصل الأمر بنظام يفترض أن يستثمر موارده البترولية الهائلة في مشروعات عمرانية مدنية واعدة، أن يتحالف مع كبري الشركات الأمريكية في امتصاص خيرات المواطنين وأن يقيم صداقة " مشبوهة" مع الإدارات الأمريكية المتلاحقة؛ كيف وصل الأمر بهذا النظام إلى أن يصبح فجأة الأب الروحي الأكبر لمفهوم " الجهاد " لحركات الإسلام السياسي بدءا من الطالبان وانتهاء بالقاعدة ؟ كيف تتحول وعود الحداثة والمدنية التي كان يمني بها الشعب إلى "ردَة " حضارية تنتهي بقيام أسرة آل سعود بدور الرائد للرجعية الثقافية في العالمين العربي والإسلامي ؟..
يضيف "باسيلي" قائلا: هذا التساؤل المحير، والتناقضات التي يعيشها النظام هي بعض جوانب ذلك " اللغز "الذي يمثله نظام آل سعود ، وهو لغز خفي على أصحابه أنفسهم ، فهم لا يدركون ماهيته ولا ما ستؤول إليه مصائرهم، وبه تظل السعودية لغزا يصعب على العالم فهمه ، ويصعب عليه هو نفسه فهم العالم .
ويستطرد بالقول: لعل أسهل وأوضح مظاهر اللغز السعودي هي تلك المتفردات التي ينفرد بها هذا النظام (الدولة والمجتمع معا) عن بقية دول ومجتمعات العالم .
فالمجتمع السعودي ما زال هو أشد مجتمعات البشر انغلاقا على الذات واختلافا عن الآخرين، فالسعودية هي الدولة الوحيدة على الأرض التي ما تزال المرأة فيها ممنوعة من قيادة سيارة ! وهذا التفرد - علي بساطته – مذهل في الواقع فكيف يبرر نظام لنفسه مثل هذا الشذوذ عن المجتمع البشري ؟ هل المرأة السعودية هي وحدها دون نساء العالمين التي لا يمكن الوثوق بها ؟ هل الرجل السعودي دون سائر رجال البشر هو وحده الذي لا يستطيع تحمل رؤية امرأة تقود سيارة ؟ هل المجتمع السعودي – دون مجتمعات الأرض جميعها – هو وحده الذي أكتشف فضيلة أن تقاد المرأة لا أن تكون قائدة لسيارة خاصة؟!..
وفي وصفه لحالة البؤس والضياع اليومية التي يعيشها المواطن في مملكة آل سعود يقول باسيلي : لا يوجد مجتمع آخر على الأرض يهيم في طرقاته رجال منفرون مكفهرون يلوحون بعصي وخيزرانات يضربون من يصادفونهم علي الطريق من البشر كأنهم حيوانات دابة – وهم يصيحون " الصلاة يا ولد- " ! وهو يقصد بذلك عناصر ما تسمى بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
هذا بينما يتهادى سفراء وأمراء وأميرات هذا المجتمع في عواصم الغرب في أحدث الأزياء وأكثرها عصرية وأناقة وثراء .
فكيف تكون القطيعة كاملة هكذا بين هؤلاء السفراء الأمراء ومجتمعاتهم ؟ كيف يمكن للإنسان أن يعيش في عالمين مختلفين ، وعصرين مختلفين – في نفس اللحظة؟..
كذلك لا يوجد نظام ( دولة ومجتمع معا) آخر على الأرض يتلفح بأردية التدين والإيمان والسلفية في جانبه الوهابي الذي يحكمه داخليا ويصدره إلى الآخرين عن طريق آلاف المساجد والدعاة التي ينشرها في أنحاء الأرض، بينما يسيطر رجال التجارة والمال من هذا المجتمع على قنوات الإعلام الفضائية والورقية والإلكترونية التي تقود مظاهر التحرر إلى حد الابتذال مع تقليد ببغائي لمظاهر – وليس لجوهر – الحداثة الغربية ، مقدمين ثقافة هي مسخ مشوه فلا هي عربية ولا هي غربية؛ إذ افتقدت عطاء الإبداع الحقيقي الذي لا يندلع إلا من الروح الأصيلة للبشر في حياتهم اليومية على أرض موطنهم بكل ما في ذلك من تاريخ وثقافة وتميز وخصوصية، وهو ما فعله مبدع مثل نجيب محفوظ الذي خطف الأنظار العالمية لاستنباطه الروح المصرية المحلية الأصيلة .
ويطرح الكاتب سؤالا محيرا هو لماذا لا يركز أفراد آل سعود جهودهم على تحديث بلدهم ومجتمعهم الخاص أولا ؟ لماذا يتركون أهلهم وأبناء جلدتهم ويخاطبون الآخرين ؟.. ويردف سؤاله بآخر قائلا: ما هذا التناقض – الذي يشي بالنفاق والتخاذل وفقدان المصداقية – بين الإعلام السعودي(والتليفزيون السعودي نموذجاً) وبين إعلام السعوديين في قنواتهم الفضائية والإلكترونية ؟..
إن هذه التناقضات والتشوهات في المشهد السعودي الحالي والتي يراها ويعرفها الجميع حينما يحدقون في اللغز السعودي من المنظار العربي تأخذ لدى المشاهدين في الغرب موقفا مشابها لذلك الذي وقفه كورتين وينزر، المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط في عهد ريجان ، والذي عبر عنه في مقاله بمجلة ميدل إيست مونيتور في عدد يونيو/ يوليو 2007 بعنوان " السعودية والوهابية وانتشار الفاشية الدينية السنية " والذي قال فيه إنه على الرغم من النجاح الذي حققته الولايات المتحدة حتى الآن في تدمير البنية التحتية لتنظيم القاعدة وشبكاتها الإرهابية إلا أن عملية التفريخ الأيديولوجي " للقاعدة ما يزال مستمرا عىي المستوي العالمي.
وإن جهود أمريكا لمواجهتها تظل قاصرة لأن مركز دعمها الأيديولوجي والمالي هو السعودية التي تقيم فيها العائلة الملكية الموالية للغرب ولسنوات طويلة تحالفا مع الوهابية الإسلامية ، كما تحرص على تمويل انتشار الوهابية إلى بلدان العالم بما فيها الولايات المتحدة ، وإن إدارة الرئيس جورج بوش لم تبذل الجهد اللازم لمجابهة هذا الانتشار بسبب سيطرتها على النفط السعودي والخوف من زعزعة استقرار عائلة آل سعود، والاعتقاد بأن دعم أمريكا للديمقراطية سيكون كافيا لمواجهة التطرف الديني.
ويشرح "وينسلي" ملابسات قيام مملكة آل سعود في العام 1932م وكيف تمت الصفقة بين محمد بن عبد الوهاب مؤسس الحركة الوهابية وآل سعود والتي منح بمقتضاها رجال الدين الوهابيون اليد الطولى في إدارة الشؤون الدينية والتعليمية، وكيف فسرت الوهابية مفهوم الجهاد ضد الحكومات العلمانية " الكافرة ".
وخلص الكاتب إلى أن مراكز الفكر والبحث في الغرب تفهم العلاقة بين آل سعود والوهابية ربما بدرجة أكبر مما يعيها الكثيرون من المواطنين السعوديين أنفسهم .
مضيفا بأنه ظهرت بعد الحادي عشر من سبتمبر مقالات وأبحاث وكتب عديدة عن أسرة آل سعود ونظامها وعن الوهابية في محاولة لفهم هذا المجتمع الذي صدَر للغرب تنظيم القاعدة وحقق ضربة البرجين في نيويورك والبنتاجون في واشنطن، بينما لا نعرف عن دراسات مشابهة صدرت بالعربية عن ذلك.!
إن " الفرضية الغائبة " وهي الحقيقية الجديرة بالاعتبار لدى مسلمي اليوم هي" فرضية "عصرنة الإسلام" ، أي تحديث أساليب فهمه والاجتهاد في تفسيره وترشيد المسلم لمعايشة العصر بعيدا عن تفسيرات الوهابيين المغلوطة.
يقول "باسيلي": حينما كنت في عملي بالسعودية في نهايات السبعينات تصورت أن هذه البلاد مؤهلة للعب دور ريادي وقيادي نحو تأدية هذه الفريضة الغائبة ، فقد بدا من اهتمامها المزعوم بمشاريع التصنيع والتعمير أن لديها رؤية مستقبلية تستشرف ما بعد النفط ، وأنها قد قررت استثمار مواردها المالية الهائلة في ذلك الوقت في تحقيق تلك الرؤية المستقبلية، بيد أن ما حدث كان خلاف ذلك تماما .
فبعد ارتفاع أسعار النفط عام 1973 تدفق العمال والفنيون من كل قطر عربي - خاصة من دول الجوار مصر والسودان والأردن وسوريا – للعمل بالسعودية، مما أحدث تغييراً في مجتمعات هذه الدول عندما كان هؤلاء يعودون إلي بلادهم محملين ليس فقط بالأموال ولكن أيضا بالفكر الوهابي وممارساته المتشددة مثل فرض الصلوات على الجميع وإيقاف كافة أنشطة الحياة لادائها وتحجيب أو تنقيب المرأة وإعادتها إلى البيت وحجبها عن أعين الغرباء واللجوء للفتاوى وتحكيم رجال الدين الوهابيين في كل أمور الدنيا وتحويل المجتمع إلى حفلة دائمة الهياج والصخب الديني.
وكان لابد مع حالة الالتهاب الديني الوهابي هذه أن يتراجع كل شيء آخر في المجتمع؛ فذبلت الأنشطة الفنية والفكرية والإعلامية والثقافية والعلمية وكافة أوجه الإبداع البشري الذي يخمده المتزمتون الوهابيون الذين هم بطبعهم خاملون فقراء الموهبة – لصالح ارتفاع الصخب الديني علي دقات طبول حفلة الزار القائمة أبدا في الشوارع والمكاتب والمحال التجارية وكافة الأماكن العامة، والذي ما يزال قائما في السعودية.
ويخلص الكاتب إلى أن آل سعود صدَروا في ظل هذه الظروف المواتية أفكارهم الوهابية إلى المجتمعات العربية الأخرى ، ونجحوا في ذلك في وجود عدد من الحكومات الضعيفة التي توجد بينها وبين شعوبها قطيعة.
بدلاً من المساهمة في قيادة نهضة عربية جديدة انتهت أسرة آل سعود إلى قيادة ردَة حضارية هائلة تحت مسميَ الصحوة الإسلامية – ارتفعت فيها رايات الوهابية السلفية وتراجعت رايات النهضة العربية بمضامينها القومية والعلمانية والمدنية وأفكارها التحررية والليبرالية بمختلف تنويعاتها ليس في المملكة فحسب وإنما في عدد من البلاد العربية .
ربما يقول البعض إن انتظار قيام السعودية بدور ريادي نهضوي هو أمر رومانسي وغير معقول ، فمجتمعها البدوي غير مؤهل لمثل هذا الدور وفاقد الشيء لا يعطيه ، ولكن ما كان يجعل الأمل في تصوري محفوفا بالشكوك هو أنني لم ألمح أي مظهر من مظاهر النهضة الثقافية الفكرية التي كانت ضرورية لمصاحبة الحركة العمرانية الاقتصادية.
ففي النهاية لا يملك المال وحده أن يصنع حضارة ولكنه يحتاج إلي توهج فكري وتحرر إبداعي يفجر الطاقات والمواهب الكامنة في الشباب لكي ينطلق خالقا ومبدعا ومشيدا، زارعا وصانعا ومبتكرا ، مفكراً ومعبراً ومعلما ، وهذا لم يحدث ، ولم يبدو أن مثل هذه الرؤية كانت لدى آل سعود ، الذين لم يظهروا أي اهتمام بذلك.
وفي وصفه للصدام الديني والفكري للوهابية مع الثورة الإيرانية عند قيامها يقول "باسيلي" لقد اضطر آل سعود ووهابيوهم إلى الدخول في سباق لإثبات جدارتهم بحمل لواء الصحوة الإسلامية في وجه إيران الإسلامية ولذلك تخلت مملكة آل سعود عن أحلامها النهضوية التحررية وانجرفت في مزايدة ضد إيران على تبني الهوية الإسلامية، ولكن هذا العذر كان أقبح من الذنب .
وكان يمكن للسعودية ، لو امتلكت الرؤية الحضارية التاريخية والمستقبلية الصحيحة ، أن تختار الخيار النقيض ، فتكون هي رائدة التحرر الإسلامي والعصرنة الإسلامية، وكان يمكن للسعودية أن تنتهز هذه الفرصة لانتزاع دور قيادي روحي وإصلاحي معا بأن تواكب النقلة العمرانية بنقلة موازية لتحديث الوهابية وتحرير رؤيتها المتطرفة، ولكن كان ذلك سيتطلب مواجهة مع أركان الوهابية وجماعة الأمر بالمعروف المتسلطة على رقاب العباد باسم الدين، واختارت أسرة آل سعود عدم القيام بهذه المواجهة .
وكان خيار المواجهة هذا هو ما فعله عبد الناصر حينما حاول الإخوان اغتياله عام 1955 فضربهم ضربة أقعدتهم خمسة عشر عاماً كاملة حققت مصر فيها معدلات تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية شاهقة واقتربت من عصرها بشكل مثير وجميل حقا .
واللافت أن عبد الناصر وجد نفسه مضطرا للدخول في مواجهة مع النظام السعودي الذي وقف موقفًا معاديا لخطاب الثورة ، ولذلك نعت عبد الناصر النظام السعودي بالرجعية العربية ، والنظرة التاريخية الموضوعية تجعلنا اليوم نكتشف كم كان هذا الوصف دقيقا، فها هي السعودية تجهض أحلام مواطنيها الواعدة وتجبن عن مواجهة قوى الوهابية الخارجة عن العصر وتزايد عليها في صفقة مع الشيطان تبيع له فيها روحها في مقابل أن تحصر الوهابية " جهادها " خارج المملكة.
وراحت تغدق عليها بالأموال بما يصل اليوم إلى حوالي مائة بليون دولار ! وهو رقم خرافي كان بإمكانه أن يحدث نقلة نوعية لو كان قد استثمر في تحديث التعليم والإعلام السعوديين.
إن أكثر ما يثير الشفقة والحزن هو مشهد إنسان لا يعي ذاته ولا يكاد يدرك كنه نفسه ذلك هو المواطن السعودي ، ويبدو ذلك في النظام السعودي – دولة ومجتمعا – في هذه الحالة من عدم إدراك الذات وغياب الامتلاك لحسَ قوي واع بالنفس .
ويسأل الكاتب: ما هي صفات ومميزات ومواهب وهبات نظام آل سعود وما الذي قدمه للبشرية وللحضارة منذ تأسيس حكم هذه العائلة؟.. ويجيب بالقول: لا تجد إجابة على ذلك، فقد كانت السعودية دائما في موقف رد الفعل لا الفعل ، والتبعية لا الريادة ، فقد كان موقفها الأساسي في الخمسينات والستينات مجرد رد فعل للحركة الناصرية ، ولم تقدم المملكة مبادرة أو رؤية أو مشروعاً عربياً هاما آخر سوى طرح بعض الآراء الأمريكية على العالم ، وهذا موقف يدل على عدم الجدية السياسية وكأن الأمر كله " رفع عتب " ليس إلا .
يطرح الكاتب سيلا من الأسئلة دون أن يجد لها أجوبة فيقول:هل يعي النظام السعودي ذاته ؟ هل يفهم نفسه ؟ هل يستطيع أن يحدد أي نظام هو ؟ في أي عصر يعيش ؟ إلى أي فكر ينتمي ؟ ما دوره الروحي ؟ ما دوره السياسي ؟ ما دوره الثقافي ؟ هل يسأل أمير آل سعود الأول في البلاط الأمريكي – بندر بن سلطان – نفسه هذه الأسئلة ويعرف إجابات لها ؟ حينما يجلس بالبنطلون الجينز بلا كلفة علي مسند المقعد أمام الرئيس الأمريكي جورج بوش ويبادله النكات ، ويجاريه في القفشات هل يعتقد عندئذ أنه قد نجح في تقديم صورة حضارية لمجتمعه في الخارج ؟ هل يدرك مدى التناقض في هذه الصورة المسخ ؟ هل هو مرتاح النفس أنه سفير عصري لمجتمع يعيش في القرن السادس الميلادي ؟ بدلا من الاستغراق في المراسيم والطقوس البهلوانية للدبلوماسية الأرستقراطية الفارغة هل حاول التأثير في مجتمعه لانتشاله من ثقافة العشيرة والقبيلة ووضعه علي طريق النهضة الحقيقية التي لا تتنكر لذاتها ولكن تطورها وتهذبها وتعلمها تعليما جديداً مستنيرا مثيرا؟..
كيف يعج مجتمع بكل هؤلاء المثقفين والكتاب والإعلاميين والأمراء المتحررين الذين يريدون تحرير الإنسان العربي في كل مكان ما عدا السعودية ؟ فباستثناء مجموعة نادرة تطالب بالإصلاح ويطاردها النظام ويلقي برموزها في السجون فإن ما يسمون بالمثقفين السعوديين العاملين في كبريات الصحف والفضائيات والإنترنت المملوكة لآل سعود لا يسعون البتة لتحديث مجتمعهم وإنما هم ينفذون ما يؤمرون به، فأية مسخرة هذه؟..
ويخلص "فرانسوا باسيلي" إلى حقيقة أنه مع غياب الوعي بالذات غابت الرؤية الاستراتيجية لآل سعود، فقد جاءت مواقفهم على مدى تاريخهم مضادة لحركات التنوير والنهضة العربية ، وقدمت هذه العائلة نفسها أداة لخدمة الأهداف الاستراتيجية الأمريكية في ضرب الاتحاد السوفيتي في أفغانستان دون تقدير استراتيجي لدور الاتحاد السوفيتي في مساعدة العرب في صراعهم ضد إسرائيل ، فحقق آل سعود بذلك مصالح أمريكية وإسرائيلية بحتة.
ويختتم باسيلي مقاله قائلا: يبدو أن أسرة آل سعودا داخلة اليوم في طريق ستصبح فيه طرفا أساسيا في حرب سنية – شيعية تعيد فيها أخطاء صدام حسين وحروبه العبثية المأساوية ضد إيران ، فغياب الوعي والرؤية يجعلانها غير قادرة سوى على اتباع أهواء الإدارة الأمريكية وسياستها الغبية بالمنطقة ، والتي لا تعود على شعوب المنطقة إلا بالكوارث .
وهي اليوم تلهث وراء هذه السياسة والسقوط في أهوال حرب سنية - شيعية تشعل وتحرق كل من فيها وما فيها .
هل هناك جيل سعودي جديد مدرك لذاته يستطيع التخلص من طبيعة اللغز وهوية التناقضات وصفقة الشيطان بين سلطة آل سعود السياسية والوهابية السلفية فيقدم لنفسه ولمجتمعه رؤية جديدة جديرة بموقع هذه البلاد التاريخي ومركزها ومواردها وإمكاناتها ، لكي يخرج المجتمع السعودي لأول مرة من كهف التاريخ ويجاهد الجهاد الحقيقي وهو اللحاق بالعصر والانضمام لبقية مجتمعات الأرض التي تخلص البشر فيها من عاهة الهوس الديني والأصولية الدينية وانخرطوا في عمل جاد مفيد يدفعون به حضارة عصرهم قدما ويقدمون الخير لأنفسهم وللآخرين .
نعم لقد تأخر الوقت وأضاع نظام آل سعود فرصا تاريخية للتغيير والنهوض والريادة ، ولكن ربما لم يضع الوقت بعد على أحرار هذا البلد، فالتاريخ ينتظر ولا يرحم.
.
|