أزمة الإسكان السعودية ودور آل سعود المشبوه في افتعالها

الرياض : 24 رمضان 1429هـ - الموافق 24 سبتمبر 2008م " واجز "

     رغم أن المؤشرات الدولية التي تؤخذ كمقياس للفقر والتي تعتمد عليها تقارير التنمية البشرية الدولية السنوية؛ تعتبر السكن من أهم هذه المعايير وليس امتلاك الأسرة لمياه صالحة للشرب وارتباط مساكنها بشبكات الصرف الصحي العامة فقط، إلا أن المعيار الذي يتعد به في بلادنا هو نصيب الفرد من إجمالي الدخل، وهو معيار متخلف لم تعد دول العالم ومنظماتها تأخذ به منذ صدور سلسلة تقارير التنمية البشرية الدولية خلال السنين الماضية.
ويحاول آل سعود الأخذ بمعيار نصيب الفرد من الدخل كمؤشر للنمو الاقتصادي والذي يشير حسب أرقام الناتج الإجمالي إلى ارتفاع نصيب الفرد منه الأمر الذي يشير أيضا إلى أن المواطن السعودي يعد من بين أغنياء العالم ولكن وفق الأرقام على الورق وليس الواقع المعاش.
ووفق إحصائيات المملكة فإن أكثر من 70%من السكان لا يملكون مساكن خاصة بهم ويعيشون تحت وطأة الإيجار الذي يتحكم فيه قلقة قليلة من الطبقة العليا في المجتمع السعودي.
وذكرت وكالة أنباء رويترز في تقرير لها نشرته مؤخرا إلى أن امتلاك منزل في السعودية أضحى أكثر صعوبة في الوقت الحاضر لأغلبية المواطنين بسبب ارتفاع تكاليف الإنشاء والمضاربة على الأراضي وغياب التمويل المصرفي، في ظل غياب سياسات إسكانية واضحة وانعدام الشفافية في اتخاذ القرارات الحكومية المتعلقة بهذا القطاع.
وأشار التقرير الذي أعده أحد المحررين من مكتب الوكالة في الرياض –وبشكل خجول جدا- إلى أن ضعف المساعدة الحكومية أدت إلى تفاقم عجز في الإسكان يقدر بنحو مليون منزل ودفع أسعار الإيجارات للصعود.
بينما يقول سماسرة أن نسبة ملكية المنازل تبلغ حوالي 30 في المائة فقط مما يجعل السعودية الأقل بين الاقتصادات التي يحركها النفط في منطقة الخليج, مؤكدين أن عدد المنازل بالمملكة يتراوح بين خمسة وستة ملايين منزل.
ويرى أحد الخبراء الاقتصاديين السعوديين أن مالكي العقارات هم من الطبقة الغنية التي تستفيد من غياب أي سياسة للإسكان مثلما يستفيدون من فوضى التخطيط الاقتصادي التي تعم البلاد. ويضيف الخبير في تحليله لأزمة الإسكان في السعودية بالقول رغم أن 70% من السعوديين لا يملكون مساكن فإن المؤجرين هم أقل بكثير من نسبة الـ30% الباقية، وهذا يعني حسب الخبير أن نسبة الـ 30% من السكان الذين لا يملكون مساكن يتركزون في أسفل منحنى هرم مالكي المساكن في حين يقبع عدد قليل من المالكين في أعلى المنحنى وهم الذين يقومون بتأجير المساكن للفقراء.
ويشير الخبير أيضا إلى أن هذه الأرقام تؤشر إلى أن أكثر من ثلثي السكان يعانون من الفقر، بالنظر إلى أن أغلب من يملكون مساكن وهم نسبة ثلث السكان يعانونهم أيضا من صعوبات معيشية أخرى تتمثل أهمها في غلاء الأسعار التي تضاعفت خلال السنوات القليلة الماضية بأكثر من 100%. وفي حين يعتبر جون سفاكياناكيس كبير الخبراء الاقتصاديين لدى بنك ساب أن 65 في المائة من الشعب السعودي يعيش في مساكن بالإيجار، يؤكد على ضرورة أن تواجه حكومة آل سعود هذه الأزمة، ومشيرا أيضا إلى أن السعوديين يشعرون بأنه يتعين إيجاد منازل للناس خلال هذه الطفرة النفطية خاصة وان هناك أناس ليس لديهم رأسمال وكل ما يملكونه هو للنقل والمواصلات، متسائلا عن ما سيتبقى للأجيال القادمة، في حين أن أرقام الميزانيات التي تنشر سنويا تفوق الخيال.
ووصف سفاكياناكيس المسألة بأنها معضلة لحكومة آل سعود أكبر بلد مصدر للخام في العالم، وهي تكشف بوضوح عن قصور في سياسات توزيع الثروة بين المناطق، مشيرا إلى أن هناك انفصال بين العرض والطلب في قطاع الإسكان، كون الطلب يواصل النمو في حين العرض يتباطأ بشكل مستمر وان أسعار العقارات سترتفع في سوق شحيحة وهذا الأمر لن يحل جانبا مهما من مشكلة التضخم وهو الإيجارات.
وكانت آمال المواطنين قد زادت في السنوات الست الأخيرة مع ارتفاع أسعار النفط غير أنهم أصيبوا بخيبة أمل كبيرة بعد انهيار سوق الأسهم عام 2006 والذي قضى على مدخرات مئات الآلاف من الأشخاص وأغلبهم من الفقراء، ودفع الكثيرين إلى التخلي عن فكرة امتلاك منزل والرضا بنصيبهم من الفقر في هذه الدنيا.
ورغم أن سفاكياناكيس يرى بأن أزمة السكن معضلة سياسية استعصت على حكومة آل سعود؛ إلا أن بعض الاقتصاديين يخالفونه الرأي على اعتبار أن الطبقة العليا في المجتمع السعودي هي المستفيدة من غياب السياسات الإسكانية وهي المستفيدة أيضا من ارتفاع نسبة الفقر بين السعوديين، هذه الطبقة المتنفذة في الحكومة والتي تتشارك مع أمراء العائلة المالكة في مشاريعها الاقتصادية الرابحة على حساب قوت الفقراء من أبناء المجتمع السعودي.
بيد أن هناك من الاقتصاديين من يخالف كلا الرأيين السابقين بالنظر إلى انتشار رقعة الفقر التي تجعل طبقة الفقراء وهي الأكبر في المجتمع عاجزة عن سداد أسعار الإيجارات التي نراها ترتفع كل يوم، وهو حسب هؤلاء الاقتصاديين ما يؤدي في النهاية إلى الاتجاه في النهاية نحو التقشف وعدم الاستفادة من التقنية الحديثة في المنازل، إضافة إلى انتشار ظاهرة تجمعات الصفيح السكنية والتي بدأت واضحة في أغلب مدن وقرى وهجر المملكة، الأمر الذي سيؤدي إلى هبوط أسعار الإيجارات وفق قانون العرض والطلب.
ورغم أن بعض المواطنين والمستثمرين يتمنون على الحكومة إقرار قانون جديد للإقراض العقاري إلي تعمل عليه حكومة الرياض منذ أكثر من عقد من الزمن، إلا أن الاقتصاديين يرون عدم جدواه بسبب اعتماده على إسقاطات سكانية قديمة لم تضع في الحسبان الزيادة السكانية خاصة وأن معدل النمو السكاني في المملكة يعد من بين أكبر المعدلات في العالم.
وفوق ذلك فإن المعايير التي وضعت في هذا القانون المزمع لا تنطبق على كافة طبقة الفقراء، بل هي قد تشمل ممن يقبعون في أعلى سلم الفقر فقط وهم بنظر المحللين الاقتصاديين قلة قليلة من مجموع فقراء المملكة.
وهو ما أكده عبد الرحمن الزامل الوزير السابق بالحكومة وعضو الهيئة الاستشارية التي صاغت القانون حين قال في تصريح صحفي له قبل أكثر من شهرين إن القانون لا يلبي حاجة 85 في المائة من السعوديين الذين يقل دخلهم عن 60 ألف ريال سنويا، والذين يشكلون أيضا نسبة قليلة جدة من مجموع السكان.
من جانب آخر أشار بنك رنا للاستثمار في تقرير له الشهر الماضي أن سوق العقارات السعودية تناسب احتياجات الأسر مرتفعة الدخل ولا تناسب الأسر الفقيرة والأسر متوسطة الدخل.
ورغم أزمة الإسكان التي تعيشها المملكة والتي اعتبرها الكثير من الاقتصاديين بأنها من أهم الأزمات الإستراتيجية للدولة التي ينبغي التصدي لها وإيجاد حلول عاجلة لها قبل أن تتفاقم، فإن حكومة آل سعود تدعي طرح الحلول الناجعة لهذا الأزمة التي باتت تعصف بأغلب الأسر السعودية، حيث أطلقت خططا لبناء أربع مدن اقتصادية متكاملة تقول الرياض بأنها ستظهر وجها حديثا للمملكة يماثل تألق وارتفاع ناطحات السحاب في دبي، لكن عشرات الآلاف من الوحدات السكنية التي ستتاح في هذه المدن ستناسب إمكانيات المغتربين الأجانب العاملين في المملكة فقط. وأشار أحد الاقتصاديين البارزين في المملكة اشترط عدم ذكر اسمه في حديث لوكالة أنباء الجزيرة "واجز" إلى أن الدعاية التي تروج لها الحكومة منذ فترة والمتمثلة في خطط بناء أربع مدن اقتصادية متكاملة إنما الهدف الأساسي منها هو الدعاية لآل سعود وتضليل الرأي العام من طبقة لفقراء وإيهامهم بالأرقام الرنانة وجعلهم ينامون ويستيقظون على أحلامهم بهذه الأرقام .
ورغم وجود صندوق التنمية العقارية الحكومي غير أنه لا يوفر سوى قروض هزيلة للسكان الأشد فقرا فقط، بسبب عدم امتلاكه تمويلا كافيا للاستجابة للطلب الكبير وبسبب الإجراءات الطويلة التي قد تستغرق عدة سنوات قبل الموافقة على استمارة الحصول على قرض، فيما لا يزال الحد الأقصى للمبلغ الذي يمكن للصندوق إقراضه ثابتا" منذ 35 عاما" عند 300 ألف ريال وهو مبلغ يعد جزءا صغيرا من سعر الشراء ولا يكفي مطلقا لبناء مسكن متكامل على افتراض الحصول على قطعة أرض.
وقد أكد أحمد البابطين المسؤول في إحدى المؤسسات العقارية أن قيمة القرض لا تغطي شيئا لافتا إلى انه في حال شراء قطعة أرض لن يتمكن احد حتى من بدء البناء وانه لا يوجد في الرياض بأكملها شقة تساوي 300 ألف ريال أو ما دون.
وكانت أسعار العقارات والأراضي قد تضاعفت بشكل حاد بعد الكارثة المفتعلة لانهيار البورصة السعودية عام 2006 .
وفي تحليله للفوضى الإدارية وغياب الرقابة قال عبد الله العوفي رئيس شركة يخت الخبر العقارية انه على مدى 12 شهرا حتى يوليو الماضي تضاعفت أسعار الأراضي في الرياض والدمام، مؤكدا " أن بعض الشركات تقوم بتطوير منطقة صغيرة من قطعة أرض أكبر بكثير كانت اشترتها من قبل بأبخس الأسعار حتى ترفع قيمة الأرض كلها ثم تقوم ببيعها وتترك المشروع الذي بدأت فيه.