نصف القضاة لا يعرفون إجراءات التعامل مع العنف الأسري مضاوي الرشيد : حالة القمع التي يتعرض لها الرجال أمام أجهزة الدولة هي السبب في تزايد العنف الأسري في السعودية

العوامية : 29 ربيع الأول 1430هـ - الموافق 26 مارس2009م " واجز "

    كثيرا ما تحدثنا على موقع وكالة أنباء " واجز " في العديد من الأخبار والتقارير والتعليقات الصحفية عن فساد جهاز القضاء لدى حكومة آل سعود والذي أصبح محل تنذر وتهكم ليس بين الأوساط القانونية والقضائية فحسب بل لدى عامة الناس بسبب أحكامه الغريبة وغير المنطقية مثل التفريق بين الزوج وزوجته لمجرد عدم التناسب العائلي ، وفي هذا الصدد كشفت دراسة حديثة أجراها برنامج الأمان الأسري شملت العاملين في القطاع التربوي والصحي والشرطي والجمعيات الخيرية والمحاكم لمعرفة كيفية التعامل مع حالات العنف أن نسبة 50 % من القضاة لا يعرفون إجراءات التعامل مع حالات العنف الأسري، ،وكذلك خريجو العلوم الشرعية بنسبة 37 % وأن نسبة وعي رجال الشرطة بالعنف ضد النساء بلغ 40 % .
وبينت الدراسة أن نسبة القضاة الذين لا يعرفون أصلا بوجود إجراءات للعنف الأسري بلغت 78 % منهم وأن نسبة 80 % لا يعرفون الجهة المسؤولة عن هذه الإجراءات .
وأكدت الدكتورة مها المنيف المدير التنفيذي لبرنامج الأمان الأسري أن هناك صعوبة في الحصول على إحصاءات دقيقة حول العنف وأن البرنامج أجرى مسحا على مدارس المملكة ووجد أن هناك 21 % يتعرضون للضرب المستمر، وأن 32 % يتعرضون للضرب أحيانا وأن حالات الإيذاء للأطفال في المؤسسات الحكومية بلغت 38 % إيذاء جسديا و27 % إيذاء نفسيا و14 % إيذاء جنسيا .
 وذكرت المنيف أن حالات التبليغ زادت خلال السنوات الأخيرة 7 أضعاف وأن 57 % من النساء يتعرضن للعنف وأن وزارة الشؤون الاجتماعية رصدت العام الماضي 1074 حالة منها 961 للنساء و153 للرجال، وطالبت المنيف بتوثيق المعلومات وإنشاء سجل وطني .
هذا الدراسة تقودنا إلى المقال التحليلي الذي كتبته الحقوقية والكاتبة د. مضاوي الرشيد تحت عنوان " السعودية: العنف ضد المرأة " أوضحت فيه أن تزايد حالات العنف الأسري الذي تتعرض له النساء في السعودية بدأ يطرح نفسه كمشكلة اجتماعية وسياسية بالدرجة الأولى مرتبطة بتحولات خطيرة على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع وعلاقته بالدولة وأجهزتها الصحية والأمنية. وقالت الكاتبة مضاوي الرشيد مستشهدة بدراسات عالمية مقارنة أجراها الباحث ديفيد ليغينسون في أواخر الثمانينات لظاهرة العنف ضد النساء في تسعين بلدا توصلت إلى استنتاج يثبت أن ارتفاع العنف ضد المرأة يظهر واضحا في المجتمعات التي تتفشى فيها ظاهرة عدم المساواة بين الرجل والمرأة وانعدام الاستقلالية للنساء.
وقالت إننا نستطيع أن نربط حالة العنف وظاهرتها المتزايدة في بلد كالسعودية إلى محاولة الذكور لاستعادة شيء من ذكوريتهم التي بددتها الدولة.
وأكدت أنه لا يمكن فهم تفشي الاعتداء على النساء في الأسرة أو خارجها في بلد كالسعودية إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار حالة القمع التي يتعرض لها الرجال أمام أجهزة الدولة والاهانات المتكررة وحالة التهميش التي تطالهم.
وهم بذلك يفقدون القدرة على مقاومة التهميش وفقدان الذكورية المعنوية ويحاولون التعويض عن ذلك من خلال العنف الممارس على الكائنات الضعيفة في المجتمع كالمرأة أو العمالة المهاجرة وخاصة النساء اللواتي يتعرضن لعمليات اغتصاب جماعية من قبل الشباب والرجال.
وأوضحت أن حالات العنف هذه تبدو كمحاولة لاسترداد بعض من مفاهيم القوة المرتبطة بالعنف الهمجي تجاه العنصر الضعيف بغياب القدرة على مواجهة مصدر القمع المركزي في الدولة وأجهزتها الكثيرة والمناط بها مهمة استسلام الفرد للقهر الجماعي المركز والآتي من الأجهزة الأمنية والثقافية والدينية.
وكلها أذرع للدولة هدفها مسح قدرة الفرد على المواجهة أو التمرد أو حتى التملص من قبضة آلة القمع المادية والمعنوية.
وأضافت أن حالة تدجين الذكور في المجتمع السعودي قد خلقت تبعات نفسية وظواهر اجتماعية فريدة من أهمها تفشي استعمال المخدرات والكحول في شرائح اجتماعية كبيرة لا تقتصر على أماكن الفقر والعوز بل تطال الطبقات الوسطى والثرية حيث الكل ينغمس في حالة هروب من الضغط النفسي الذي تولده مرحلة القهر والإحباط التي يتعرض لها كل من يدخل الحيز العام من الشارع إلى مراكز التعليم والعمل.
وبينت الدكتورة مضاوي الرشيد أن ظاهرة العنف ضد المرأة تعتبر المختبر الواضح والصريح الذي يدل الباحث على مدى القهر العام الذي يتعرض له المجتمع وخاصة المرتبط بالأجهزة المركزية للدولة والتي لا تكتفي بالقمع الواضح والصريح بل أيضا تلجأ إلى عنف رمزي يمارس ثقافياً واجتماعياً ودينياً على شرائح المجتمع المختلفة والمتباينة.
وأشارت إلى أن الرجل في السعودية يستفرد بالمرأة في حنايا نواة الأسرة الصغيرة وهو يعلم أن قدرتها على اللجوء إلى أجهزة الدولة محدودة إما بسبب غيابها أو بسبب تعطيل عملها أو عدم فعاليتها أو بسبب كونها ما زالت مؤسسات تلوم المرأة الضحية ذاتها مما يجعل الكثير من النساء يترددن قبل اللجوء إلى مثل هذه الأجهزة ناهيك عن حالة الصمت والتكتم التي تلجأ إليها المرأة مجبرة وتحت ضغط الخوف من معاقبة المجتمع والدولة إن هي صرحت بالعنف الموجه ضدها وخاصة أنها تصبح بعد هذا التصريح إما منبوذة من قبل أسرتها أو مهمشة أو حتى متهمة تخضع للمحاسبة والعقاب رغم أنها تكون هي الضحية ، وهذا بالفعل ما حصل خلال السنوات السابقة عندما تعرضت إعلامية سعودية مشهورة للعنف من قبل زوجها أو بعض حالات الاغتصاب الجماعية التي حصلت وما زالت تحصل في أزقة وبيوت المدن السعودية المكتظة بالسكان.
وأوضحت أن حالة الضغط النفسي الذي يتولد نتيجة عملية التدجين الجماعية التي يتعرض لها الرجال وتقلص فرص الظهور على مسرح الحياة العامة وخاصة أنها محتكرة من قبل حلقات ولاء مرتبطة بالدولة ناهيك عن مسرحيات الاهانة التي يتعرض لها الرجل في كثير من المجالات العامة وآخرها ملاسنات الأمراء واتهاماتهم واهاناتهم لعامة الشعب على الملأ تجعل من الرجل السعودي حالة مزرية مهانة فاقدة للرجولة بمعناها العريض الشامل فلا يجد فاقد الشيء إلا التعويض عنه بسلوك عنيف عله بذلك يسترد بعض ما سلبته منه دولته أولا وثانياً التغييرات الاجتماعية السريعة التي حصلت خلال العقود الماضية القليلة.
وبغياب المؤسسات المستقلة المعنية بالعنف الأسري ونقصد هنا البعيدة عن العمل الخيري الذي تتصدره الأميرات السعوديات لأنهن بشكل أو بآخر يعتبرن امتداداً لأجهزة الدولة الذكورية أو فرعها النسائي مما يجعلهن غير قادرات على التعاطي مع مشكلة اجتماعية بدأت ملامحها تظهر بشكل واضح وتنز بإفرازات خطيرة ستعاني منها أجيال مستقبلية تتجاوز المرحلة الحالية.
 هناك جيل جديد يتربى في محيط تغيب عنه صورة الأب حيث إن الكثير من أطفال السعودية ينشؤون ويتربون في بيوت بلا أب لأن الأب قرر تأسيس عائلتين أو أكثر.
وبعضهم يصبح شاهداً على معارك أسرية تذهب ضحيتها الكثير من الأمهات.
هذه المشاهد المتوترة والعنيفة تتحول إلى دروس في العنف ويصبح الرجل العنيف والذي يحل الخلافات بالضرب المبرح المدرس الأول لأبناء قادمين ويدخل المجتمع في حلقة مفرغة وطويلة تذهب ضحيتها الكثير من النساء والبنات والأطفال.
 ليس عمل المرأة خارج المنزل هو المحور المدمر للجيل الجديد كما يدعي البعض، بل هو الأب الغائب لأن الكثير من الأمهات يبقين مرتبطات بالأسرة حتى ولو كان العمل يتطلب الغياب عن المنزل لفترات طويلة ، أما الأب العنيف والأخ الأعنف فأثره السيئ قد فصلناه في السطور السابقة. لقد فشلت الدولة السعودية بمشاريعها التنموية في رسم سياسة اجتماعية متكاملة وليس بالمدن الصناعية تنشأ الأمم فقط وتربى الأجيال القادمة وليت الدولة تصرف على مشاريع ترميم وبناء المجتمع بدءا بالأسرة أولا كما تصرف على مشاريع التسلح العقيمة أو آلة القمع المتطورة.
 إن إفلات الرجل من قبضة السلطة وقمعها المباشر وقهرها غير المباشر هو بدء مرحلة التعاطي مع معضلة العنف ضد المرأة.