|
إبان الاحتلال السوفييتي لأفغانستان خلال القرن الماضي كانت أسرة آل سعود تنفذ الأوامر الأمريكية القاضية بضرورة الإنفاق بالمال والرجال على ما اتفق على تسميتهم آنذاك بالمجاهدين الأفغان لمحاربة القوات السوفييتية الغازية- باسم الإسلام- وبعد انسحاب القوات السوفيتية من هذا البلد انتفى أي مبرر لحمل هؤلاء المجاهدين للسلاح، بيد أن هيمنة آل سعود عليهم جعل الأوامر الأمريكية التي اعتبرت الإسلام العدو الأول للسياسة الخارجية الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي؛ تقضي بضرورة محاربة الإسلام وذلك بتشويه صورته لدى الرأي العام العالمي أولا قبل محاربته بالسلاح، ومن هو أقدر على تنفيذ هذه الأوامر من الأدوات المتعددة الأمريكية خير من أسرة آل سعود التي كانت قد مولت في السابق هذه المجموعات، فأوكل ساسة واشنطن لهذه الأسرة هذا الدور، فقامت مخابرات آل سعود فورا بنشر عناصر ما سموهم بهتانا بالمجاهدين، ليعرفوا فيما بعد في كافة أرجاء المعمورة بتنظيم القاعدة، وهم جميعهم من أتباع الوهابية ليعيثوا في أرض الله فسادا وإرهابا ودمارا، فكانت تفجيرات 11 سبتمبر ولندن وغيرها من العمليات الإرهابية في أوروبا تحديدا.
وإذا كانت السياسة الأمريكية التي بنيت حساباتها على فرضيات خاطئة تقضي باحتلال أفغانستان، فإن الوقائع أكدت استحالة تحقيق هذا الهدف بعد محاولات فاشلة لسنوات عديدة تكبدت فيها القوات الأمريكية خسائر فادحة رغم أنها طلبت من الحكومات الأوروبية مساعدتها بقواتها، وهو ما أكده رئيس الوزراء الكندي، ستيفن هاربر حين (أعلن انسحاب القوات الكندية من أفغانستان في عام 2011) قائلا: إن بعض القادة الغربيين، اعتقد خطأ أن قوات (الناتو) يمكنها البقاء هناك إلى الأبد، وشدد على أهمية وضع جدول زمني لوجود الناتو في أفغانستان.
كما اعترف القائد العسكري البريطاني في أفغانستان، العميد مارك سميث كارلتون، لصحيفة صنداي تايمز من لندن، أن الحرب في أفغانستان لا يمكن كسبها، ونصح الجمهور البريطاني بأن لا يتوقع انتصارا عسكريا حاسما، ودعاه ليتهيأ لصفقة محتملة مع حركة طالبان.

وباختصار، فإنه لما أدرك الجميع أن الحرب على أفغانستان محكوم عليها بالفشل، جرى الحديث عن الوساطات والدعوة إلى المفاوضات، وهو ما دعا العديد من المراقبين إلى القول بأن القوات الأمريكية وقوات الناتو في أفغانستان قد أوكلت مهمة التواجد في هذا البلد إلى أسرة آل سعود، لتبدأ فصول جديدة من الحرب على المسلمين في مركز الإسلام بعد فشلها في الأطراف حسب أحد النظريات الأمريكية حول محاربة الإسلام.
لذا فإن الحكومة الأمريكية قررت على ما يبدو الانسحاب من هذا البلد وجر أذيال خيبتها، ويقتضي الأمر في هذه الحالة البحث عن مخرج لها يحفظ ماء وجهها، ووجدت ضالتها في أسرة آل سعود صانعة ما سموا في السابق بالمجاهدين وما يسمون الآن بالإرهابيين الوهابيين من تنظيم القاعدة.
ويشير الخبراء السياسيون إلى أنه إضافة إلى الفشل العسكري الأمريكي الغربي في أفغانستان فإن من ضمن الدوافع الأمريكية للانسحاب هو ارتفاع النفقات التي تبلغ مئات المليارات على عملياتها العسكرية، إضافة إلى ما أكده الاقتصاديون الأمريكيون بضرورة أن تتوجه واشنطن لمعالجة المشاكل الاقتصادية والمالية التي تعصف بها بدلا من الإنفاق على هدف بات من المستحيل تحقيقه.
ورغم أن حركة طالبان التي تقاتل القوات الأمريكية وحلفاءها بكل ضراوة وشجاعة منقطعة النظير قد انسلخ عنها تنظيم القاعدة لدواعي السياسة الأمريكية التي قضت بتشويه صورة الإسلام عبر عناصر القاعدة والتي استمر تمويل آل سعود لها بالمال والرجال حتى هذه اللحظة لنشر الإرهاب في العالم باسم الإسلام، إلا أن العلاقات المخابراتية المشكوك فيها لآل سعود مع طالبان عبر القاعدة خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي جعل منها وسيطا محتملا لجمع قادة طالبان وحكومة كابول على طاولة المفاوضات من أجل إيجاد مخرج لانسحاب القوات الأمريكية من المستنقع الأفغاني.
فجاءت محادثات مكة بين طالبان وكابول في الفترة من 24 إلى 27 سبتمبر الماضي
وتعكس وساطة آل سعود بين الطرفين الأفغانيين المتصارعين، أهمية دور هذه العائلة في محاربة الإسلام والمسلمين نيابة عن الولايات المتحدة.
ورغم أن المحادثات قد تمت في سرية تامة، ولم تتسرب أية أنباء عما دار خلالها، غير أن قناة (سي إن إن) الأمريكية أوضحت في تقرير لها نقلا عن مصادر موثوقة، أن الملك عبد الله استضاف محادثات رفيعة المستوى في مكة المكرمة بين الحكومة الأفغانية وشخصيات من حركة طالبان، من بينهم ممثل عن قلب الدين حكمتيار، وكذاك رئيس المحكمة العليا الأفغانية السابق، فاضل هادي شنواري، ورئيس هيئة الأركان العامة للجيش الأفغاني، الجنرال بسم الله خان.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن أسرة آل سعود منشأ الإرهاب الوهابي كانت من بين الدول القليلة التي اعترفت بنظام طالبان في أفغانستان عندما كانت القاعدة الوهابية تحارب القوات السوفييتية الغازية،
وكان هذا الدور لآل سعود في دعم إرهابيي القاعدة إضافة إلى علاقتهم بطالبان من الاعتبارات التي دفعت واشنطن لترشيح آل سعود لاحتضان هذا اللقاء، خاصة بعد تصاعد موجة العنف وارتفاع الخسائر في صفوف قوات حلف الناتو.
وذكرت قناة (سي إن إن) أن وراء هذا العمل لإنقاذ السياسة الأمريكية، بدفع من واشنطن، الرئيس السابق للمخابرات العامة السعودية وابن شقيق الملك، الأمير تركي الفيصل، الذي له علاقات وحضور قديم في أفغانستان، حيث تولى رئاسة جهاز الاستخبارات لمدة 25 سنة، من عام 1977 حتى قبل وقت قصير من 11 سبتمبر 2001م، ويقول البعض إن الأمير تركي التقى سرا في عام 1998 مع زعيم طالبان الملا عمر الذي دعاه الرئيس الأفغاني في الأيام الأخيرة إلى الحوار.
وإذا كانت حركة طالبان قد بدأت تحصد نتائج نضالها ضد الاحتلال الأمريكي الغربي بتزايد شعبيتها داخل أفغانستان، فإن دور آل سعود يأتي هذه المرة مجددا ليزرع بذور الشك بين الجماهير الأفغانية في وطنية طالبان ونضالها البطولي.
وإذا كان المناخ الإقليمي الحالي الذي بات يتميز بعدم الاستقرار في باكستان، والتوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، ودور حلف الناتو، وصعود إيران الجديد لتأكيد ذاتها، يتجه من سيئ إلى أسوأ، إضافة إلى الحاجة الملحة بالنسبة للولايات المتحدة، لإعادة تقويم الجغرافية السياسية الحالية للتحالفات والسياسات المتبعة في الحرب على الإسلام؛ فقد بات من الضروري لواشنطن أن توكل هذا الدور في أفغانستان إلى آل سعود الحليف القديم في الهندوكوش، بما يملكون من الموارد لتمويل وتنفيذ هذه السياسة، من وجهة النظر الأمريكية طبعا.
ويؤكد البعض أن آل سعود قد تحمسوا لهذا الطلب الأمريكي بسبب هاجس الخوف الذي يسيطر عليهم والمتمثل في احتمال بناء إيران الشيعية جسورًا مع المقاومة الأفغانية بحكم العداء الأيديولوجي والسياسي لآل سعود تجاه الجارة إيران.
وقد أشارت شبكة سي إن إن الأمريكية نقلا عن مصادر سعودية، أن "التوسع الإيراني هو واحد من أكبر اهتمامات وانشغالات آل سعود في أفغانستان"، الأمر الذي يشجعها على التدخل في افغانستان.
|