|
رغم أن الجميع مقتنع بأن لبنان لا يمكن أن يستقر سياسيا وأمنيا ما لم يتأكد التوافق السياسي بين جميع طوائفه الدينية وتياراته السياسية، ورغم أن هذه القناعة تقود إلى الجزم بأن ما يحدث في لبنان هو شأن داخلي بحكم الخصوصية اللبنانية التي عاش في كنفها جميع اللبنانيين على مختلف مشاربهم الدينية وتوجهاتهم السياسية منذ أن وجدت لبنان وتواجدت عليها الديانات السماوية؛ إلا أن هذا البلد ظل عربيا بل وقاد مفكروه لواء القومية العربية منذ نشوئها.
غير أن المتغيرات الإقليمية والدولية وجغرافية لبنان وديمقراطيته بحكم تكوينه جعلته عرضة للتدخلات الخارجية ومرتعا للمخابرات الأجنبية، حتى بات هدفا أوليا لأية تغييرات إقليمية محتملة.
وإذا كان الصراع في الشرق الأوسط ينحصر بين العرب وإسرائيل، فإن محصلته باتت واضحة للجميع؛ وهي وجود معسكرين، الأول هو معسكر الدفاع عن الوجود العربي والآخر هو الساعي لإنهاء هذا الوجود .
ومن البديهي وفق ذلك أن يضم كل معسكر أنصاره ومؤيديه، فمعسكر العرب من الضروري أن يضم كل الشعوب والحكومات العربية الرافضة للهيمنة الأمريكية التي تتبنى السيطرة الصهيونية على الشرق الأوسط، ممثلة في ما يسمى بالشرق الأوسط الجديد.
ولعل الاعتداء الإسرائيلي الأخير في صيف عام 2006 على لبنان وتصدي المقاومة اللبنانية البطولية له ما يؤكد ذلك.
أما المعسكر الصهيوني الأمريكي فيتبعه شراذم من التبّع العرب الذين باعوا شرفهم ووطنيتهم لأسيادهم مثلما يضم في صفوفه كل من له أطماع في بلادنا العربية.
وللأسف فقد انعكس هذا التقسيم الدولي للصراع في الشرق الأوسط على لبنان نفسه، فاصبح هناك ائتلاف تابع للسياسة الأمريكية وآخر يعمل على فرض وجوده وكيانه العربي.
ومن البديهي أن تبادر الشراذم التبّع لمحاربة أنصار العروبة نيابة عن إسرائيل وأمريكا فنراها تشهر أسلحتها وكل ما أوتيت من إمكانات لقتل الروح العربية مستغلة توجه وسائل الإعلام الغربية والصهيونية ضد العروبة والتي تنعتها دائما بالإرهاب.
نقول ذلك لنؤكد للقارئ الكريم أن آل سعود وبحكم ارتمائهم في أحضان أمريكا وحمايتها لهذه العائلة مقابل تنفيذ كل ما يطلبه الساسة الأمريكان منها جعلت من نفسها المدافع الأول عن الإستراتيجية الأمريكية الصهيونية في المنطقة.
لذا ليس من الغريب أن تناصب هذه العائلة العداء للتيار العروبي في لبنان أو ما تسميه وسائل إعلامها بالمعارضة اللبنانية، وأن تؤيد وتدعم بالمال والسلاح التيار الآخر.
بيد أن هذا العداء لم يقتصر على دعم الطوائف اللبنانية من أجل أن تتقاتل فيما بينها لخدمة إسرائيل بل نراها تصدّر الإرهابيين الوهابيين إلى هذا البلد مثلما حدث في نهر البارد، أو أن تتوسل لإسرائيل أن تساعد حلفائها في لبنان على ضرب حزب الله وهو ما حدث خلال الأيام الماضية عندما سافر الأمير بندر إلى إسرائيل طالبا منها التدخل عسكريا لضرب قوة حزب الله.
والأمرّ من هذا كله أن تستغل عائلة آل سعود عامل الدين لبث الفتنة الطائفية بين الإخوة اللبنانيين خاصة بين الطائفتين الشيعية والسنية، جاعلة من هذه الفتنة حربا دينية بين طائفة الشيعة المسلمة من جهة والطائفة السنية وأمريكا واليهود في الجهة المقابلة.
لذا فإننا لا نستغرب أن يقوم وهابيو آل سعود بتكفير شيعة لبنان الذين يدافعون عن العروبة والإسلام ضد إسرائيل.
وقد كان آل سعود سباقين في الدفاع عن المصالح الصهيونية، فخلال الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو 2006 تطوع الشيخ الوهابي عبد الله بن جبرين حيث أصدر فتوى حرّم فيها تأييد أو الدعاء بالنصر للمقاومة اللبنانية ممثلة في حزب الله في أيام التصدي للهجوم الإسرائيلي على الجنوب اللبناني.
وخلال الأزمة اللبنانية الأخيرة تطوع وهابي آخر لتكفير المعارضة اللبنانية التي يقودها حزب الله، وجاء التكفير الوهابي هذه المرة من أعلى السلطة الدينية الوهابية وهو الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، واصفا إياهم بأنهم "جاؤوا ليهيئوا المكان لليهود وللدول الكبرى ويهيئوا لهم الجو ويسهلوا عليهم الدخول ويعينوهم على السيطرة على بلاد الإسلام.." كما قال عنهم في المحاضرة التي ألقاها مؤخرا في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض بحضور مدير ووكلاء الجامعة وعمداء الكليات والعمادات المساندة وجمع من الطلاب بأنهم "ينتسبون ويحسبون على الإسلام ويرفعون شعارات الإسلام والإسلام بريء منهم".
وبذلك فإن الوهابية قد وفرت بهذه الفتاوى غطاءً دينيا لسياسة آل سعود تجاه لبنان، وهي تكريس الطائفية من أجل القضاء على المقاومة اللبنانية أولا وتقسيم لبنان ثانيا.
هذا الموقف الذي يتبناه آل سعود والذي لا يمت بصلة للعروبة أو الإسلام إنما يؤكد أن هذه العائلة تنفذ ما تؤمر به على حساب الوجود العربي.
وإذا كان لنا أن نتساءل ونحن مذهولين من هول هذا الانبطاح الوضيع لآل سعود فإننا نقول هل محاربة القوات الإسرائيلية التي تحتل أرضا لبنانية كفر وليس جهادا؟ وهل بطولات المقاومة اللبنانية تمهد للاحتلال الأمريكي؟.. وفي المقابل دعوة الحاخامات اليهود لزيارة بلاد الحرمين الشريفين في ما تسميه عائلة آل سعود والوهابية بحوار الديانات واجب ديني وجهاد، وهل طرد القوات المحتلة من أرض العرب كفر بينما إباحة بلاد الحرمين للقوات الأمريكية واجب ديني؟..
وإذا كانت الأوامر الأمريكية واليهودية لآل سعود تقتضي التركيز على الساحة اللبنانية فإن تكفير الإسلام في لبنان يصبح ضرورة سعودية، وإلا لماذا لم يتطوع جهابذة الوهابية لنصرة الفلسطينيين في غزة الذين يقتّلون ويذبحون كل يوم على أيدي الصهاينة دون أن نسمع من أي وهابي فتوى توجب نصرة الإخوة المظلومين، ومن جانب آخر فقد التزم آل سعود ووهابييهم الصمت ولم يصدروا أية فتوى تدين اقتتال الإخوة في فلسطين خلال الفترة الماضية؟.. رغم أننا على يقين بأن آل سعود هم من يؤجج هذا الاقتتال.
نختصر حديثنا فنقول إن عمالة آل سعود باتت واضحة لكل عربي وغير عربي، وإن هذه العائلة أصبحت أخطر على العرب والإسلام من اليهود والأمريكان، لكن التاريخ لا يرحم وسوف يسطر تاريخ خيانة هذه العائلة في صفحاته السوداء ليقرأها الجيل الجديد فينتقم لكرامته وعروبته التي باعها آل سعود بأبخس الأثمان، ونشير هنا إلى أن تفتيت مملكة آل سعود قادم قريبا وسوف يندمون على خيانتهم عندما لا ينفع الندم.
|