الأبعاد الخفية لقرار الملك عبد الله إجراء تعديلات حكومية .. وعلاقتها بالصراع الأسري

 الرياض: 26 صفر 1430هـ - الموافق 21 فبراير2009م " واجز "

       روما:
قد يفاجأ البعض من قرار الملك عبد الله الأخير بإجراء تعديلات حكومية شملت تنحي أسماء معروفة في اتخاذ القرار السياسي والأمني والديني في مملكة آل سعود ، غير أن المتتبع للمشهد السعودي يرى في هذه التعديلات الوزارية إضافة إلى كونها تأتي تنفيذاً لأوامر أمريكية ، ومحاولة من آل سعود على إرضاء إداراتها الجديدة ، لها أبعاد ذات شأن داخلي بحث يتعلق بالحكم والعرش الملكي وهو إبعاد السديرين القطب الأقوى في سدة حكم عائلة آل سعود .
ومن المؤكد أن هيكلية السياسة العامة في المملكة وبؤر القوى فيها والتي جلبت على البلاد استنكاراً محلياً ودولياً يكاد يكون بالإجماع، لم تنطلق في تاريخها من منطلق تخطيطي يخدم الوطن والمواطن بقدر انطلاقها من مفهوم الولاء الأعمى لآل سعود وولائهم لأمريكا والغرب والصهاينة على حساب قضايا الوطن والأمة العربية والإسلامية.
هذا الأمر عكس صورة سوداوية قاتمة للوجه السعودي في العالم بما يحمله من سياسات تمييزية سواء بين الرجال والنساء أو بين المواطن والأجنبي أو بين الفئات الدينية المتعددة في البلاد والتي أدت إلى سيطرة الوهابية على مجريات الحياة السياسية في هذا البلد الإسلامي.
وبعد استفحال الخطر الوهابي وانتشاره في شتى الدول وما جلبه من دمار وخراب فيها بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا إضافة إلى البلاد العربية والإسلامية مثل لبنان والعراق وفلسطين وأفغانستان ، تزيدات الضغوط في الداخل والخارج ، ولم تجد حكومة آل سعود الوهابية إلا الانحناء أمامها وإيجاد صيغة تجميلية تنقذها من الورطة التي وجدت نفسها منغمسة فيها ، ومن التنصل من بعض الهياكل والأقطاب الموالية لها ذات الوجه الأسود والقبيح ، من أجل استمرارها في حكم بلاد الجزيرة العربية .

وأمام إرث آل سعود المليئ بالإجرام والإرهاب وانتهاك حقوق الإنسان والفساد والغباء اضطر هذا الملك الجاهل في محاولة أقل ما توصف بها أنها غبية تجسد غباءه إلى إيجاد صيغة جديدة تحقق له هدفين الأول تجميل صورته أمام العالم وفي مقدمته أمريكا والغرب من خلال إقصاء وإبعاد وجوه موسومة بالإرهاب والتعصب الفكري والديني ، والثاني هو ضرب أقطاب في عائلة آل سعود من السديريين الذين يقفون في وجهه وتفكيك الهيئات والمؤسسات القوية التي كان يسيطر عليها خصومه وهي التي تستطيع ترجيح الكفة لصالحهم .
فقد أجرى الملك عبد الله بن عبد العزيز يوم السبت الماضي تعديلات حكومية أعفى بموجبها رئيس مجلس القضاء الأعلى وستة من كبار العلماء في هيئة الإفتاء وتعيين أول امرأة في الحكومة وهي نورة الفايز كنائب لوزير التربية والتعليم لشؤون البنات.
وشمل هذا التعديل تعيين السفير السعودي بلبنان عبد العزيز خوجة وزيراً للإعلام، وعبد الله الربيعة وزيراً للصحة، ومحمد العيسى وزيراً للعدل، والأمير فيصل بن عبد الله وزيرا للتربية.

فيما طالت الإقالات محافظ مؤسسة النقد السعودية حمد السياري الذي حل مكانه محمد الجاسر ، كما أقيل رئيس مجلس القضاء الأعلى الوهابي المتشدد صالح اللحيدان، ورئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إبراهيم بن عبد الله الغيث وأعفي ستة من كبار العلماء من مناصبهم.
وشملت التغييرات إضافة 50 عضواً جديداً من المحسوبين على الملك عبد الله إلى مجلس الشورى في زيادة هي الثالثة من نوعها ليرتفع عدد الأعضاء من 120 إلى 170 عضواً من أجل تمرير سياسات الملك في الاستحواذ على مقاليد الأمور بالمجلس وعرقلة أو إلغاء أي مشروع يتقدم به خصومه وخاصة السديريين داخل المجلس.
وفيما يتعلق بالمواطنين الشيعة الذين يعانون التمييز الطائفي فقد دخل مجلس الشورى عضوان شيعيان جديدان من محافظة القطيف هما الدكتور محمد الخنيزي والدكتور جميل الخيري ومن الإحساء الدكتور سعيد الشيخ، رغم قلة هذا التمثيل بالنظر إلى عدد أتباع الطائفة الشيعية بالمملكة الذين يشكلون أكثر من ثلث السكان.
وإذا كان الشارع السعودي يصف هذه التغييرات بأنها محاولة من الملك لإزاحة "الحرس القديم" داخل المؤسسة الدينية مثل الشيخ اللحي
دان صاحب الفتوى الشهيرة التي هددت أصحاب المحطات الفضائية بالقتل لأن محطاتهم التلفزيونية "تنشر الفكاهة والمجون وتضييع الوقت بغير فائدة" إلا أن المتمعن في تلك التغييرات يرى بأنها تركزت في وزارات العدل والتربية والإعلام، الأمر الذي يطرح إشارات استفهام خطيرة جداً تمس صميم كيان المملكة واستقلالية قراراتها وسيادتها. ونشير هنا إلى أنه على الرغم من معاناة المواطن السعودي من الفقر الذي شمل أكثر من نصف السكان وأيضاً أزمة السكن التي تطال نفس النسبة وربما أكثر، إلا أن التوجه الواضح في التغييرات الوزارية كان في وزارات ظلت وما تزال مرآة المملكة في الخارج والذراع الضامنة لبقاء أسرة آلسعود.
ولعل الأبرز في هذه التغييرات الحكومية والتي لها علاقة بالحسابات الداخلية والخارجية هي التغييرات التي حصلت في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكذلك مجلس القضاء الأعلى وجهاز القضاء.
حيث أراد الملك عبد الله من وراء تحوير الأسماء في هيئة الأمر بالمعروف إلى سحب البساط من تحت أقدام الأمير نايف الذي يمسك بزمام وزارة الداخلية والمسؤول المباشر على هذه الهيئة، هذا من جانب ومن جانب آخر فقد سعى عبد الله إلى كسب تأليب المواطنين على خصومه من أمراء العائلة المالكة السديريين ، وتبرئة نفسه خارجياً من تبعات ما تقوم به الهيئة من خروقات لحقوق الإنسان السعودي، وهو مسعى أيضاً إلى تفكيك هذه القوة التي أصبحت تملك السلاح بما يؤهلها لخوض غمار حرب تصفية حسابات ضد الملك عبد الله وأتباعه.
وعلى المستوى الخارجي فإن تنحية الغيث يأتي بعد رفض الإدارة الأمريكية للفكر الوهابي وخطره على المصالح الأمريكية والمتمثل في وجود هيئة الأمر بالمعروف في السلطة السعودية، الأمر الذي يعني خروج الملك عبد الله من ذلك منتصراً بما يرضي الإدارة الأمريكية، ولعلنا نشاهد في المستقبل مزيداً من تفكيك هياكل هذه الهيئة وتنحية عناصرها الأكثر ولاءً للأمير نايف عن الساحة السياسية في البلاد.
كما أقيل رئيس مجلس القضاء الأعلى الوهابي المتشدد صالح اللحيدان، ورئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إبراهيم بن عبد الله الغيث وأعفي ستة من كبار العلماء من مناصبهم .
فوزارة العدل التي شملها التعديل كانت النقطة الأبرز في الانتقادات من قبل منظمات حقوق الإنسان العالمية والتي باتت مضرب الأمثال في التلاعب بالقوانين لصالح فئات معينة في المجتمع السعودي ضد أبناء الشعب، إضافة إلى تمييزها في القوانين التي تعمل بها بين المرأة والرجل والتمييز الطائفي أيضاً ضد المواطنين الشيعة في المملكة.
فهذا الجهاز القضائي الذي أصبح مضرب الأمثال في الفساد والكيل بمكيالين في القضايا التي تمس حياة المواطنين اليومية، وتحول إلى أضحوكة بسبب أحكامه التي تفرق الزوج عن زوجته وتمنع المرأة من قيادة السيارة أو الذهاب للتسوق لأسرتها ويبرئ القاتل من تهمة القتل لأنه من أبناء أحد المتنفذين ويقيم الحد على الفقراء والضعاف من أبناء البلد وكذلك الخدم والعمالة الأجنبية لمجرد أن خصومهم من مرتبة أعلى في سلم الطبقية السعودية.
ومن جانب آخر فإن وزارة التربية والتعليم التي شملها التعديل أيضاً ظلت وما تزال مصدر المناهج الوهابية الإرهابية التي تلقن النشء منذ نعومة أظافره عدم التسامح مع الآخر ومحاربته واعتبار ذلك فريضة جهادية وهابية توجب على الجميع محاربة الآخر، وهو ما يتعارض مع الأوامر الأمريكية الداعية إلى تغيير هذه المناهج والتي وصل بها الأمر إلى وضع تفاسير للسور القرآنية على الطريقة الأمريكية بما يتماشى وسياسة واشنطن ، فيما اعتبر تعيين السيدة نورة الفايز نائباً لوزير التربية والتعليم، ذراً للرماد في أعين العالم، كونه لا يعني شيئاً إيجابياً في اتجاه منح المرأة حريتها والتي ما زالت تعاني القهر والإذلال، وإن تعيينها هو في حقيقته مجرد إطار خارجي ومسحة "ديكور" في الواجهة السياسية الخارجية لا معنى لها في مواجهة الانتقادات الدولية حول الممارسات العنصرية ضد المرأة السعودية .
أما وزارة الإعلام والتي جلب لها سفير آل سعود في لبنان الذي تميز بعلاقاته مع بعض وسائل الإعلام اللبنانية التي تسيطر عليها وزارة الإعلام السعودية وكذلك الأقلام المأجورة التابعة والتي تنعق لصالح آل سعود وتدعو وتمجد السياسة الأمريكية في المنطقة فإنها تؤشر إلى منحى جديد ستشهده الأيام القادمة، هذا المنحى المتمثل في تملق الإدارة الأمريكية الجديدة ومحاولة تلميع صورتها أمامها إضافة إلى تسويق السياسة الأمريكية في المنطقة على حساب الشعب العربي والفلسطيني.
ولعل التغيير الأخطر هو ذلك الذي طال هيكلية الجيش السعودي بتقليص دور وصلاحيات وزارة الدفاع والسلاح الجوي التي يرأسها الأمير سلطان ويديرها ابنه بعد مرضه العضال وذلك من خلال تقوية دور القوات البرية التي يعمل الملك على تقويتها لتكون ذراعه العسكرية حيث عين الفريق الركن حسين عبد الله القبيل (قائد للقوات البرية) نائباً لرئيس هيئة الأركان العامة، وترقية اللواء الركن عبد الرحمن المرشد إلى رتبة فريق ركن وتعيينه قائداً للقوات البرية وهما يعتبران في أوساط الأسرة مواليين للملك عبد الله دون سواه.
وقد اعتبرت هذه التحويرات في الجيش بمثابة ضربة قوية للسديريين الذين يتم تجريدهم من كافة المناصب السياسية والعسكرية والأمنية والتي كانوا حتى وقت قريب يتمتعون بالسيطرة المطلقة عليها بحكم انتمائهم لجناح السديريين في العائلة المالكة.
أما فيما يخص هيئة حقوق الإنسان الحكومية فقد تم تنحية رئيسها السابق تركي بن خالد السديري وتعيين بندر بن محمد العبيان رئيساً لها والذي باشر مهامه بالالتقاء بوفد من الكونجرس الأمريكي، مما يؤكد بأن هذه الهيئة هي هيئة حكومية تأتمر بأمر الحكومة وتنفذ توجيهات القصر الملكي ولا تكترث بالانتهاكات الصارخة في حقوق المواطن السعودي الذي يقبع ويعذب في السجون والمعتقلات والتي تنتهك آدميته لمجرد أنه رفع صوته للتعبير عن رأيه في وجه القمع الحكومي.
وبما أن هذا الوفد الأمريكي حمل معه حزمة من الأوامر والتي نعتقد بأنها في مجملها أوامر سياسية ولا علاقة لها بحقوق الإنسان البتة، فإن هذه الهيئة ستعمل في ثوبها الجديد على تنفيذ هذه الأوامر وإرضاء السياسة الأمريكية وهو ما سنشهده في أجندتها الجديدة.