السعودي يعيش تحت وطأة حكم بوليسي قمعي

    الارتباك الذي تعانيه سلطات الأمن السعودية بأجهزتها المختلفة في الداخل لاحتواء ظاهرة الوعي السياسي الإصلاحي لدى المواطنين من ناحية ولاحتواء دائرة العنف الآخذة في الاتساع على اتجاهين؛ سواء العنف الاجتماعي الذي أفرزته الظروف الاقتصادية من فقر وبطالة في المجتمع واتجاه الجريمة المنظمة التي تقوم بها جماعات استغلت لا مبالاة السلطات تجاه الجريمة المدنية وخطورتها على أمن المواطن، هذه المعركة لم تؤد إلا لمزيد من تفاقم الأمور وولادة أزمات أخرى ربما أخطر.
آل سعود لم يستطيعوا حتى الآن أو لم يعرفوا الطريقة الصحيحة في التعامل مع الصحوة الجارفة داخل المجتمع السعودي، فلم تعرف هذه السلطات سوى القمع في تعاملها مع المواطنين، حتى أصبح المجتمع السعودي يعيش تحت وطأة حكم بوليسي قمعي لا يبحث عن الفساد الأخلاقي والاجتماعي ولكن كل همه هو البحث عن أي معارض أو صوت إصلاحي يدعو لتغيير وتطوير المجتمع. القمع البوليسي السعودي للمجتمع أفرز تيارات فكرية تتحد كلها في معارضتها لآل سعود وممارستهم القمعية والفاسدة ، لكنها قد تختلف في أساليبها.
هناك من يدعو إلى التغيير بالطرق السلمية والدعوة للديمقراطية والإصلاح، هذا التيار اصطدم كثير من أصحابه بالواقع ووصلوا إلى نتيجة مؤداها أن لا فائدة من العمل السلمي في التعامل مع أسرة آل سعود في ظل غياب الديمقراطية وفي ظل حكم بوليسي لا يأبه للرأي العام في الداخل أو الخارج. التيار الآخر الذي يعتبره البعض براغماتي هو الذي اعتقد أصحابه أن لا فائدة من الحوار مع آل سعود طالما أغلقوا الأبواب أمام المواطن في التعبير عن رأيه بحرية وقول كلمة حق في وجه سلطان جائر . هذا التيار وصل منذ سنوات عدة إلى تأطير مفاهيمه وفلسفته لكي تصبح أيديولوجية سياسية وعسكرية في آن، بأن حدد أصحابه أهداف ومبادئ هذا التيار ووسائله أيضا.
وكون أغلب أتباعه هم من الشباب المستنير والمتحمس لأن يرى بلاده في مصاف الدول الديمقراطية والذي سيسته ومرّسته التجارب الإقليمية والعربية عبر نزاعاتها وحروبها المتفرقة، بدا واضحا أن العمل المسلح هو الذي طغى على أسلوب عمله، واستطاع في بداياته الأولى رغم أنه ما يزال في بدايات تكوينه أن يحقق نجاحات عسكرية في الداخل واعتبرها هذا الجناح بدايات النصر حتى لو لم ينجح بعضها تكتيكيا. استطاع هذا الجناح أن يتوغل في المجتمع السعودي بعمق، لدرجة أنه استطاع أن يستميل الكثير من المسؤولين الشباب في الحكومة إلى جانبه سواء بالسكوت على عملياته أو بالدعم المادي والمعنوي غير العلني.
بيد أنه ما يزال ينقصه التنظيم كون أن خبرة عناصره جاءت من الحروب الإقليمية التي تختلف كلية عن مهام عناصره في الداخل السعودي. قد يختلف أصحاب التيار السلمي (الإصلاحي) خاصة منهم من يعيشون في الخارج مع أصحاب تيار العمل المسلح وذلك في الأسلوب والوسيلة ، خاصة أن أصحاب التيار الإصلاحي هم من المفكرين والكتاب وغيرهم ممن لديهم ما يقولونه في ذلك، وهم أيضا أناس قد تقدم بهم العمر فأصبحوا يتفادون الصدمة المباشرة حتى لو كانت محدودة لكنها ضرورية للوصول إلى الهدف.
 التيار المسلح في المعارضة السعودية يعتبر نفسه هو الأنجع لأنه الأسرع في الحركة (في الفعل وردة الفعل) وفي الحسم أيضا ، لأن عناصره ودماءه من الشباب الشديد التحمس لقضيته ومواقفه، كما أن كثيرا من عناصر هذا التيار قد عاشوا في مجتمعات أخرى ولاحظوا الفرق بين مجتمعهم السعودي المغبون والمجتمعات الأخرى ذات المساحة الكافية من الديمقراطية ، إضافة إلى اعتقادهم بأن صوت البندقية هو الفيصل والحسم في الأمور التي تستعصي عن الحل السلمي.
يقول خبير استراتيجي عربي يعيش بالقاهرة في تحليله للأحداث الأخيرة بالسعودية إن ما يجري الآن ببلاد الحرمين هو بدايات المخاض لولادة معارضة مسلحة حقيقية، بدأت تتكون في أحشاء المجتمع السعودي منذ سنوات، وإن الأحداث الأخيرة أيضا تشير إلى تغلغل المعارضة المسلحة وليست المدنية السلمية فقط داخل المجتمع السعودي، مما ينذر بمزيد من التطورات المستقبلية في صالح التغيير.
ويضيف الخبير الاستراتيجي قائلا: قطعا لن تجد أيا من أفراد أسرة آل سعود فرحا بما أنجزته أجهزته الأمنية مؤخرا، لأنهم يدركون جيدا ما يخبئه لهم المستقبل من وبال عليهم، فقد يكون هذا الحاضر أفضل من المستقبل المليء بالمفاجآت غير المرغوبة للعائلة المالكة.
مضيفا أن مرجل المعارضة المسلحة قد بدأ للتو في الغليان وأن الأحداث الأخيرة هي بداية النهاية لمأساة المواطن السعودي. من جانبه أدلى كاتب سياسي من العاصمة اللبنانية بيروت بدلوه في هذا الموضوع فقال: أولا أهنئ المعارضة السعودية على اختلاف تياراتها خاصة منها التيار المسلح على هذا الإنجاز المتمثل في العمل المسلح الذي أكد بأن عمل السنوات الماضية في السر قد أفرز حقائق عدة لعل أهمها:
 - أنه فرض عدة أسئلة على المواطن في السعودية عليه الإجابة عليها، وهي لماذا هذا العمل المسلح ضد أسرة آل سعود وبهذا الحجم الهام خلال مدة زمنية قصيرة ليست أكثر من بضع سنين ؟.. وإلى جانب أي من الطرفين يقف المواطن السعودي ؟..
- إن مفكري المعارضة في الخارج أصبح لزاما عليهم تأطير أيديولوجيتهم المستقبلية ودمجها مع العمل المسلح لتؤتي ثمارها ناضجة أكثر، وحتى تأخذ المعارضة شكلها الشمولي الواحد، ولكي تستعد لفترة ما بعد أسرة آل سعود.
 - الحقيقة الهامة الأخرى هي مزيد من تفعيل العمل ضد فساد أسرة آل سعود وخيانتهم لوطنهم وأمتهم العربية، وذلك من خلال العمل السياسي والإعلامي المنسق إلى جانب العمل العسكري.
 - على المعارضة السلمية أن تعمل بذراعين في آن واحد؛ العمل بالداخل الذي نجح إلى درجة الرضا، والعمل الخارجي بإبراز قضية شعب الجزيرة العربية أمام المحافل الدولية والإقليمية وأمام الرأي العام العالمي بكل شفافية وموضوعية ووضوح ، لأن ذلك من شأنه أن يعيد حتما حسابات الحكومات والدول التي ترى في أسرة آل سعود بقرة حلوب للبترول ليس إلا، ومن أجل أن تصل إلى قناعة بأن التغيير في بلاد الحرمين آت لا محالة، وبالتالي تبنّي قضية شعب الجزيرة العربية دوليا.