|
قضت محكمة في السعودية خلال الأيام الماضية بتطليق امرأة قسرا من زوجها لا لخطيئة ارتكباها أو ذنب اقترفاه سوى أن زوجها ينتمي لقبيلة هي وفق نواميس وقوانين آل سعود التمييزية لا ترتقي إلى مستوي قبيلة هذه المرأة، وبالتالي فإن قبيلة الزوج تعتبر أدني مقاما اجتماعيا ، ولا يحق لها أن تتواصل مع قبيلة المرأة حتى ولو كان بالزواج الشرعي على سنة الله ورسوله ، لأنه تجاوز للحدود وخرق لقوانين آل سعود .
وعلى الرغم من أن الطلاق وفق الشريعة الإسلامية السمحة يعتبر أبغض الحلال عند الله فإن محكمة الاستئناف في الرياض أقرت وفي يناير 2007 حكم الطلاق الصادر عن محكمة الجوف في أغسطس 2005 ، بحجة أن قبيلة تيماني التي ينتمي إليها الزوج أدني مقاما من قبيلة الزوجة.. ولأن الزوجة رفضت الامتثال لهذا الحكم الجائر والباطل لأنه يخالف الشريعة الإسلامية فقد وضعت سلطات آل سعود في شهر أغسطس 2006 الزوجة فاطمة وطفليها في سجن الدمام ومنعت الزوج من زيارة زوجته وطفليه .
وقد أثار هذا الحكم جدلا واسعا محليا وعربيا وإسلاميا ودوليا أيضا، ما اعتبره الإصلاحيون عائقا كبيرا أمام تطبيق الحرية الشخصية في المملكة خاصة في ظل تطبيق التمييز العنصري ضد المرأة سواء في القوانين أو حتى في دواوين الحكومة.
وأعتبر علماء ومشايخ الإسلام أن هذا الحكم باطل لأنه يخالف الشريعة الإسلامية الحقة التي تدعو إلى المساواة ونبذ التفرقة بين الناس إلا بالتقوى والعمل الصالح .. مؤكدين أن هذا الحكم هو تكريس للسياسات الدينية التي تمارسها المؤسسة الوهابية نيابة عن آل سعود ضد المستضعفين من أبناء الجزيرة العربية، وهو خراب بيوت وتشريد أطفال باسم الإسلام الذي هو بعيد عن هذه الهرطقات.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو لماذا يغض القضاء السعودي الذي يزعم تطبيقه للقرآن والسنة النبوية النظر عن زواج مئات الشباب السعودي من أمريكيات وأوروبيات على الرغم من أنهم يحملون ديانات وثقافات وأخلاقيات بعيدة كل البعد عن الإسلام ، وما الفرق بينهم وبين هذه المسكينة التي طبقت عليها معايير مزدوجة غريبة باسم الإسلام، وطلقت قسرا وضد رغبتها في العيش حياة مستقرة مع زوجها.
ورغم معرفتنا بالانتهاكات التي تمارسها سلطات آل سعود ضد حقوق المواطنين وخاصة المرأة، فإن خطورة هذا الحكم تأتي من كونه جاء من هيئة قضائية رسمية وليس مجرد حكم من مواطنين قابل للخطأ والصواب، كما أنه يؤكد وحدة السلطتين القضائية والتنفيذية في أيدي آل سعود عندما تداس حقوق الإنسان من قبل سلطة الأمن التنفيذية ويتم تعزيزها من السلطة القضائية.
ذكورية المجتمع في مملكة آل سعود جاءت من تسلسل هذه السلطة بداية من رأس الهرم المتمثل في أسرة آل سعود الذين يمارسونها على من دونهم من الرجال السعوديين ويعتبرون ذكوريتهم وفحولتهم فوق هؤلاء، بمعنى حصر هذه السلطة فيهم وحدهم، مما خلق تتابعا في ممارسة هذه السلطة كلما نزلنا أسفل هذا الهرم لينتهي بطبقة النساء والأطفال التي لا تملك أدنى حق في ممارسة الحرية الشخصية.
ما يؤكد ذلك هو ما نشهده من طبقية وتسلسل التسلط في المجتمع السعودي الذي يرى فيه كل كبير أن الفحولة تنحصر فيه دون تابعيه، لقد تولد هذا الانحراف اللامنطقي من هذا التسلسل الغريب الذي تضرب جذوره في أعماق المجتمع‘ حتى أصبحت فيه حرية النساء معدومة تماما في مملكة آل سعود، بحيث بات القانون يطبق باسم الإسلام على الضعفاء في كل طبقة من الهرم السلطوي في المملكة، حتى تصل إلى طبقة النساء التي لا يمكن لها أن تمارس هذه السلطة الذكورية لأنها أولا أنثى بطبيعتها وثانيا لأنها تقع في أسفل قاعدة الهرم، فلا يوجد أحد تحتها لتمارس عليه سلطتها، سوى الخدم والسائقين الأجانب الذين أصبحوا ملاذ الأنثى في السعودية لتعويض نقصها في ممارسة الطقوس معهم.
الحرية في اختيار شريك الحياة ليس في يد المرأة السعودية في نظر القانون الديني الوهابي، كما أنها تنحصر في يد السلطات وهي الوحيدة التي لها حق تفسيرها أو إجازتها، فنرى هذه السلطة الدينية تبارك هذا الزواج وترفض الثاني وفق معطيات سياسية ليس لها علاقة بالإسلام سوى أنها تكرس هرمية السلطة الذكورية في المملكة.
هذا العسف باسم الإسلام هو الذي ساهم في ارتفاع معدلات حالات الطلاق بالمملكة وانعكاساته التي أفرزت تحللا وتفسخا اجتماعيا صاحبته ظواهر وممارسات لا أخلاقية بين النساء حسب العديد من الدراسات الاجتماعية عن الأسرة في المجتمع السعودي الذي يفترض فيه أن يكون مسلما.
هذا العسف القانوني الذكوري هو الذي جلب للمجتمع السعودي خادمات المنازل وما يقوم به الرجال من ممارسات مشينة معهن على علم من زوجاتهم، حتى أضحت ردود فهل الزوجات السعوديات تساهم في ظواهر الانحلال الأسري وهو سمة المجتمع السعودي الآن بعد انتشار الهواتف النقالة والإنترنت وكثرة السائقين الآسيويين أو العرب.
إن حكم المحكمة ذاك الذي أجاز تفكيك أسرة مستقرة ومتفاهمة أنجبت طفلين بريئين يحمل معه أكثر من قضية خطيرة؛ تمس صميم وجوهر الإسلام من ناحية وتطال حقوق الإنسان في ممارسة حريته سواء كان ذكرا أم أنثى.
فأي إسلام ذاك الذي يفرق بين الزوج وزوجته لأسباب قبلية أو عرقية أو مصلحيه ويزج بالزوجة المسكينة في غياهب السجن لا لشيء سوى أنها تطالب بحقها في الارتباط الشرعي بزوجها، ومعها طفلاها اللذان لا تعيان من أمور الدنيا شيئا واللذان ينتظرهما نفس مصير أمهما؟..
تحية إكبار وإجلال لهذه الزوجة التي فضلت السجن على طلاق زوجها والذهاب مع أخوتها بأوامر وهابية، وهي بذلك تطبق شرع الله السمح والواضح البعيد عن تأويل الوهابيين الذين يفرقون بين المرء وزوجه مثلهم في ذلك مثل شياطين الجن والإنس.
وإذا كانت حكومة آل سعود قد وقعت على ميثاق حقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة فإنها لن تأبه لمطالبات منظمات حقوق الإنسان الدولية بمنع ممارسات التمييز العنصري خاصة ضد المرأة في السعودية لأن الموافقة على تطبيق هذا الميثاق يتعارض أصلا مع سبب وجود آل سعود، فالممارسات الفوقية هي صلب هذا النظام الذي يعتبر بالنسبة لمنظمات حقوق الإنسان نظاما دكتاتوريا وتسلطيا يفتقد لأبسط قواعد الشرعية.
منظمات حقوق لإنسان الدولية والقانونيون والإصلاحيون السعوديون الذين طالبوا بإلغاء هذه التركيبة التسلطية الغريبة والمنافية لأبسط حقوق الإنسان يعون جيدا مدى تغلغل ذلك في عصب السلطة لدى آل سعود وهم يشككون في أن يفعل آل سعود شيئا لصالح فاطمة العزاز التي سجنتها السلطات في أغسطس 2006 بعد أن رفضت العودة إلى منزل اخوتها غير الأشقاء الذين حصلوا على حكم قضائي يبطل زواجها من منصور التيماني، يقينا من هؤلاء بأن فاقد الشيء لا يعطيه.
وكانت منظمة هيومان راتس ووتش المعنية بحقوق الإنسان قد دعت حكومة آل سعود لاطلاق سراح فاطمة العزاز وأبنتها بلا شروط ووقف معاناة زوجها منصور تيماني، وقالت في بيان لها إن محاكم آل سعود يجب أن تتحمل مسؤولية حماية الأسر والأطفال لا أن تفرق بين الأزواج والزوجات وأطفالهم.. وأضافت أن على الحكومة تصحيح أوضاع هذه المحاكمة الهزلية ووضع حد للقضايا المؤذية التي يرفعها أقارب للنساء من الرجال .
وقالت أيضا إن قرار المحكمة ينتهك الحق في اتفاق البالغين على الزواج دونما تمييز وهو من الحقوق المعترف بها في القانون الدولي لحقوق الإنسان .
من جانب آخر وعقب هذا الرفض الدولي لحكم المحكمة ادعت ما تسمى بالجمعية السعودية لحقوق الإنسان أنها تسعي إلى إعادة النظر في القضية واوضح مفلح القحطاني نائب رئيس الجمعية نحن نحترم القضاء ولكننا نأمل في إعادة النظر في القضية.
إذا كانت مثل هذه القوانين البعيدة عن الإسلام بل البعيدة عن جميع الشرائع السماوية هي التي تحدد مسار الحياة المدنية والشخصية في بلاد الحرمين، فهل نتوقع أية إصلاحات تخدم المواطن، وتمنحه حريته المفقودة؟..
|