|
كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول هيئة الأمر بالمنكر، وذلك عقب مقتل بعض المواطنين على أيدي عناصرها أثناء التحقيق معهم، وما صاحب ذلك من ردود أفعال غاضبة في الشارع السعودي تنادي بإلغاء هذه الهيئة، التي اعتبرت سيفا مسلطا من قبل السلطة على رؤوس المواطنين، مما دعا حكومة آل سعود إلى إجراء بعض التحويرات في صلاحيات عناصر الهيئة التي اعتبرت تكتيكية ولم تغير من الأمر شيئا.
يرى البعض أن هذه الهيئة هي أداة من أدوات آل سعود لإحكام السيطرة على شعب الجزيرة، لأن هذه الهيئة لا تأمر بالمعروف عندما يتعلق الأمر بالعائلة المالكة أو أحد أمرائها أو المتنفذين في الدولة، كما أنها لا تأمر بالمعروف أيضا عندما تفوح رائحة الفساد في صفقات السلاح سواء لوزارة الداخلية أو الحرس الوطني خاصة عندما يكون أبطالها أمراء من آل سعود، فلم يحدث أن اصطدمت هذه الهيئة ولو مرة واحدة في موقف ما مع أحد الأمراء أو الكبار المتنفذين، عدا استعراض عضلاتها على المواطنين والعمال الأجانب الذين لا حول لهم ولا قوة فهي تغض الطرف عن القوي وتبطش بالضعيف أو هكذا رسمت لها طريقة عملها.
لقد أنشئت هذه الهيئة لإجبار الناس على اتباع سلوك محدد لا يمكنهم الخروج منه وهو السلوك الوهابي الذي سيسته أسرة آل سعود لخدمة مآربها السياسية والشخصية، كما لا يمكنهم ممارسة طقوسهم الدينية، خاصة وأن الجزيرة العربية تضم طيفا واسعا من الطوائف الدينية الإسلامية، ونقصد بالناس أولئك الفقراء والسواد الأعظم من شعب الجزيرة العربية، وترك لعناصر تلك الهيئة الحكم على الناس في مدى تطبيق هذا السلوك الوهابي وتقويمهم فأصبح تدخل أفراد الهيئة في خصوصيات الناس أمرا مألوفا في مملكة آل سعود.
الناس بطبيعتهم مختلفون، ولا يعني الاختلاف إفساد المجتمع لأن المجتمع قادر على تقويم كل شذوذ فيه في سياق التطور البشري.
أما ما يتعلق بالانحراف والجريمة بجميع أنواعها بما فيها من تعاطي الخمور والسحر الخ.. فهناك سلطات أمن خول لها القانون التدخل لضبط هذا الانحلال ثم تقويمه.
وعلامة الاستفهام الكبيرة التي لا يمكن لآل سعود أو وزير الداخلية نايف أن يتجاهلها هي لماذا يمنع آل سعود الاختلاف من خلال هذه الهيئة رغم أنه في طبيعة البشر، ورغم وجود أجهزة أمنية تقوم الفساد الأخلاقي أيضا؟..
الإجابة على هذا السؤال يستتبع طرح سؤال آخر هو ما هي مآرب آل سعود في منع الاختلاف بين الناس وقولبتهم في قالب واحد من خلال هيئة الأمر بالمنكر؟..
الإجابة تذهب بنا إلى مناقشة شرعية وجود آل سعود، لأن اختلاف التفكير واختلاف المذاهب بين المواطنين هو أول الطريق نحو المعرفة، وهو بدوره يؤكد حتمية البحث والسؤال في المجتمع باعتبارهما ظاهرة صحية في كل المجتمعات، بمعنى آخر الاختلاف هو الديمقراطية وهما متلازمان في أي مجتمع متحضر، فلا يمكن للديمقراطية أن تعم ما لم تتقادح الأفكار لتصل إلى النتيجة الأفضل، وهذا يحدده المجتمع وليست سلطة آل سعود التي تفرض رأيا واحدا وسلوكا واحدا على الناس وهو المذهب الوهابي.
لقد أفرز وجود هيئة الأمر بالمنكر في السعودية ظاهرة التصادم المجتمعي، لكنها ليست بين الأفكار والثقافات والمذاهب، بل هي بين المواطن من جهة والسلطة من جهة ثانية، وكلما ازدادت ضغوط هذه الهيئة على المواطنين ازداد في المقابل تمسك الناس بمبادئهم وأفكارهم التي تبلورت عبر السنين في شكل ثقافة مجتمعية، أصبح عدوها الأول هو هيئة الأمر بالمنكر ومن ورائهم آل سعود ووهابييهم، كما ازداد أيضا التفافهم وانطوائهم على ثقافتهم وحرصهم عليها في مواجهة التغيير القسري الفوقي الذي يمارس عليهم..
من ناحية أخرى ولّد هذا الإجبار القسري على اتباع سلوك معين هو أصلا مرفوض من الجميع؛ ولد حالة من التمرد بين فئة الشباب، الذين رأوا فيه شدا للوراء وتغييبا لهم عما يدور في العالم من تغييرات، حالة التمرد هذه ما كانت لتوجد بين الشباب السعودي لو حدثت داخل المجتمع في بلاد الجزيرة العربية لأن المجتمع كفيل بتقويمها وتكييفها في سياق التطور المجتمعي، غير أن الشباب المنبهر بالعالم الخارجي بسبب ما يعانيه من فراغ نفسي وانفصام ثقافي ووطني رأى فيها ملاذه، فكانت حالة الانفلات الاجتماعي نحو الخارج، حيث السياحة الجنسية واللا أخلاقية الخ.. مبررين سلوكياتهم هذه بما يقوم به أفراد عائلة آل سعود من فضائح ومجون والتي لا يخلو يوم إلا ونقرأ عنها الكثير في صحيفة أجنبية واحدة على الأقل.
|