|
ما من شيء يمكن أن يقلق راحة بال المواطن السعودي واستقراره الأسري والنفسي سوى الفقر والأزمات المالية التي تكاد تعصف باستقرار كل الأسر السعودية حتى الميسورة الحال فيها.
وإذا كان الفقر في السعودية يتميز بخصوصيات قد تختلف عن مفهوم وتعريف الفقر على المستوى الدولي كون هذه البلاد حباها الله بثروة طائلة من البترول تكفي دخولها جميع البلاد العربية وليس بلاد الحرمين الشريفين فقط، فإن هذه الخصوصية قد أخلت بما يعرف بنظام الطبقات الاجتماعية في تركيبة المجتمع السعودي، فقد أنهت هذه الخصوصية الطبقة أو الشريحة الوسطى في المجتمع السعودي، هذه الطبقة التي تعد في نظر الاجتماعيين والاقتصاديين على حد سواء ضرورية لما يعرف بالحراك الاجتماعي.
لقد أفرزت ظاهرة الفقر طبقة من الأغنياء يقابلها طبقة الفقراء والمعوزين مما خلق معها فجوة اجتماعية واسعة وخطيرة بين الفئتين لا يمكن تضييقها أو القضاء عليها في ظل ظروف واكبت هي الأخرى هذه السلسلة من السلبيات الخطيرة في المجتمع.
لقد أصبح الوضع الاقتصادي والاجتماعي للأسر السعودية في حاجة ماسة إلى استقرار مالي حتى يحافظ على استقراره الأسري، إلا أن هذا الاستقرار أصبح بعيد المنال في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة للأسرة في السعودية.
ولعل ظاهرة الغلاء الفاحش للأسعار والتي ضربت الاقتصاد الاسري بالمملكة قد أفرزت هي الأخرى ظواهر اجتماعية أشد خطرا وفتكا بالمجتمع.
والمتابع لحالة الأسرة في السعودية هذه الأيام يلاحظ أنها ربما تعيش أحلك أيامها سوادا خلال هذا العام؛ فبالإضافة إلى غلاء الأسعار وثبات دخول الأسرة تزامنت ثلاث مناسبات وتتالت كأنها اتفقت على قصم ظهر المواطن المسكين ، هذه المناسبات هي بداية السنة الدراسية وماتتطلبه من مصروفات إضافية ثم شهر رمضان الكريم الذي يتميز بموائده المميزة وأخيرا عيد الفطر الذي يحتاج هو الآخر لمصروفات كبيرة خاصة للأسرة التي تضم بين أفرادها أطفالا صغار.
وإذا كان المواطن كإنسان له طاقة محدودة من الصبر والتحمل فإن الأوضاع التي يعيشها الإنسان في السعودية هي بكل المقاييس فوق طاقته وما يمكن لبشر أن يتحمله، والنتائج المترتبة على هذا الانهيار قد تتعدد وتتنوع وفقا لوطأة الظرف.
أما ما نعتبره نحن الاجتماعيبن أخطر هذه النتائج فهو التفكك الأسري الذي بدأت بوادره تلوح في الأفق السعودي مؤخرا، بعد أن تكرس مفهوم طبقية الفقر، وقد نشهد تداعيات أخرى خطيرة في هذا المضمار قريبا ما لم يتم إيجاد حل سريع وعاجل لهذه المعضلة رغم تشككنا في نجاعة أية حلول سريعة.
ويبدو أن هذه القضية الخطيرة قد بدأ البعض يتحسس أخطارها، سواء كانوا من الباحثين الاختصاصيين في الاقتصاد وعلوم الاجتماع أو حتى من قلة من المسؤولين، حيث انتشرت مؤخرا أحاديث لمسؤولين واختصاصيين حول مشكلة غلاء الأسعار وعلاقتها بتفكك الأسرة في السعودية.
فقد أكد مؤخرا سعيد الغامدي مدير الشؤون الاجتماعية المكلف بمنطقة مكة المكرمة أن موجات الغلاء وارتفاع الأسعار المتكررة تركت آثارا واضحة على العلاقات الأسرية في السعودية، ونتجت عنها عدة سلبيات أبرزها ضعف الروابط الأسرية بين أبناء الأسر محدودة الدخل التي تعيش واقعا اقتصاديا صعبا.. وقال في تصريح لإحدى الصحف المحلية إن عجز الزوج عن تلبية احتياجات الأسرة في ظل ارتفاع الأسعار ينتج عنه خلافات ومشاكل أسرية حادة قد تنتهي بالطلاق.
وأوضح أن “مراكز الحماية “في الشؤون الاجتماعية تلقت مؤخرا شكاوى من زوجات لجأن إليها طالبن بمساعدات مالية لتدبير احتياجات أسرهن مشيرات إلى أن الحصول على تلك الاعانات هو الضمان الوحيد لاستمرار حياتهن الزوجية بعد تعرضهن للعنف والايذاء البدني من قبل أزواجهن الذين ضاقت بهم الحياة وعجزوا عن تلبية احتياجات الأسرة.
وقال إن الشؤون الاجتماعية بدأت رصد التبعات الاجتماعية الناتجة عن ارتفاع الأسعار باعتبارها ظاهرة خطيرة يعاني منها المجتمع وتحتاج إلى دراسة متأنية.
ومن جانب آخر نقلت تلك الصحيفة عن عضوة بجمعية حقوق الإنسان قولها إن الجمعية بصدد إعداد دراسة للكشف عن مدى ارتباط حالات التفكك الأسري التي تمكنت من رصدها خلال الأشهر الأخيرة بالعوامل الاقتصادية والتي تعتبر من أهم أسباب المشاكل الأسرية في المجتمع.
أما الأخصائي الاجتماعي الدكتور أحمد درباس فقد اعتبر موجة ارتفاع الأسعار التي يعيشها المواطن خلال هذه الفترة والتي تميزت بارتفاع جنوني للأسعار في كل شيء قابل للبيع سواء كان من الضروريات أو حتى الكماليات؛ بمثابة “ فتيل مشتعل “ يهدد الحياة الزوجية، لأن الأزواج والزوجات خاصة حديثي العهد بمسؤوليات الأسرة غير مهيئين نفسيا وسلوكيا لمواجهة هذا المتغيرات وغير مستعدين لتغيير نمط حياتهم إلى شكل يتناسب مع الواقع الجديد، مما أوقع أرباب الأسر في مأزق بسبب عدم تمكنهم من الوفاء بمتطلبات أسرهم.
الجدير بالذكر أن عدد حالات الطلاق المسجلة مؤخرا لدى وزارة العدل تمثل أكثر من 21% من إجمالي حالات الزواج المسجلة.
|