|
أقر الملك عبد الله خلال الشهر المنصرم اللائحة التنفيذية لنظام "هيئة البيعة" الذي أصدره في نفس الشهر من العام الماضي .

هذا الإجراء الملكي اعتبره العديد من أمراء آل سعود من غير أبناء عبد العزيز مؤسس المملكة وأيضا متخصصون غربيون في شؤون الأسرة السعودية؛ اعتبروه توطيدا لدعائم حكم فئة معينة من الأسرة، وتأجيل مؤقت لصراع محتوم على العرش بين سلالة العائلة.
وبالنظر إلى غياب أي دستور ينظم انتقال الحكم بين أفراد الأسرة، حيث يتم اعتماد مبدأ التوافق بين الأمراء من أبناء عبد العزيز في اختيار الملك واعتماد مبدأ توريث الحكم من الأخ إلى أحد الأخوة وليس من الأب إلى أكبر الأبناء؛ فقد فتح ذلك الباب للصراعات سواء الخفية أو المعلنة بين الأبناء على كرسي العرش، كما حصل في الستينيات من القرن الماضي، حينما نازع الأمير فيصل الملك سعود على الحكم، نتج عنه في النهاية خلع الثاني عن العرش، بدعوى عدم أهليته للحكم، وفي السبعينيات أيضا، حينما أقدم أحد أبناء أخ الملك فيصل على قتله.
وفي أسلوب احتكاري صارخ للعرش أقر الملك فهد في العام 1992 ما يسمى بـ"النظام الأساسي للحكم" نصت إحدى مواده على أنه "يكون الحكم في أبناء الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود وأبناء الأبناء.." ولا يحق لغيرهم من أفراد العائلة أبناء العمومة الجلوس على كرسي العرش إلا أن هذا النظام لم يحدد الآلية التي يمكن بواسطتها مبايعة الأصلح للحكم.
لذا أصدر الملك عبد الله في أكتوبر من العام الماضي، نظام "هيئة البيعة"، الذي تألف من 25 مادة تنظم مبايعة الملك واختيار ولي العهد وذلك في خطوة اعتبرت تكريسا لحكم آل عبد العزيز وسيطرتهم على مقاليد البلاد.
بيد أن عبد الله في نظام هيئة البيعة الذي ابتكره لم يأمن جانب إخوته أو أبناء عمومته من سلالة عبد العزيز لذا اشترط أن يؤجل تطبيق النظام الجديد هذا؛ حيث نص على أن أحكامه "لا تسري على الملك وولي العهد الحاليين.
وتتكون "هيئة البيعة" هذه من أبناء الملك المؤسس عبد العزيز، وإذا كان أحدهم "متوفيًا أو معتذراً أو عاجزاً بموجب تقرير طبي"، فإن الملك يعين أحد أبنائه بدلاً منه، بالإضافة إلى تعيين الملك اثنين آخرين، واحد من أبنائه، والآخر من أبناء ولي العهد، ويتولى رئاسة الهيئة "أكبر الأعضاء سناً من أبناء الملك المؤسس."
ووفق النظام الجديد أيضاً، فإن الهيئة هي التي تقوم بالدعوة إلى "مبايعة ولي العهد ملكاً على البلاد"، عند وفاة الملك.
وإذا كان النظام الأساسي لفهد قد حصر اختيار ولي العهد من قبل الملك فإن نظام هيئة البيعة لعبد الله وضع هذا الاختيار في هيئة البيعة رغم أنه منح الملك حق ترشيح أفراد لولاية العهد، كما منح هذه الهيئة حق تنصيب ولي العهد ملكا عند وفاة الملك.
ثم فصل عبد الله في لائحته التنفيذية التي أصدرها في شهر رمضان من هذه السنة بعض النقاط التي رأى غموضها في السابق، فوضعها في 18 مادة جديدة.
وقد اعتبر بعض المتخصصين في الشأن الملكي السعودي أن إصدار نظام البيعة ولائحته التنفيذية وفي ظرف سنة واحدة هو إبعاد الخلافات التي بدأت تطفو على السطح بين أبناء عبد العزيز، وذلك بشكل مؤقت تمهيدا لزحزحة أو تقزيم أدوار بعض عناصر هيئة البيعة من أبناء عبد العزيز أيضا ومن ذوي النفوذ القوي بالمملكة، لذا يتوقع هؤلاء المختصون أن يخرج الملك عبد الله ربما بعد سنة أخرى بمزيد من المواد التي تعزز مكانه على كرسي العرش وتعزز أيضا نفوذ أتباعه من داخل العائلة المالكة.
وقبيل وصول عبد الله لكرسي العرش وتحديدا منذ أن أقعد المرض الملك فهد عن ممارسة مهامه عام 1995 وحتى عام 2005 ميلادية شهدت هذه الأسرة انقسامات واضحة وبروز أجنحة متصارعة بين أبناء عبد العزيز، وهو ما اعتبره المختصون مبررا لخوف عبد الله من بعض الأجنحة فقرر تقزيم دورها أو القضاء عليها.
حيث شهد عهد الملك فهد بن عبد العزيز تغيراً في معادلة النفوذ داخل العائلة المالكة، إذ تزايد نفوذ جناح معين من الأسرة داخل مفاصل الدولة الحساسة، وغدت له اليد الطولى في توجيه سياساتها، إيذانا ببدء صراع الأجنحة.
ويطلق على أفراد هذا الجناح "السديريون"، وهم أشقاء الملك فهد، من أمهم حصة السديرية، وهم الأمير سلطان ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع والطيران والمفتش العام، والأمير نايف وزير الداخلية، والأمير سلمان أمير منطقة الرياض، والأمير عبد الرحمن نائب وزير الدفاع، والأمير أحمد نائب وزير الداخلية، فضلاً عن أبنائهم الموزَّعين على مناصب مهمة في الدولة.
وهذا ما أدى بالأمير طلال بن عبد العزيز، الأخ غير الشقيق للعاهل السعودي، إلى أن يصرح لوكالة الأسوشيتد برس للأنباء منتقدا ما أسماه "احتكار فئة معينة داخل العائلة الحاكمة السلطة.
" ووفقاً لصحيفة "الغارديان" البريطانية فإنه "رغم عدم تسميته أحدًا بالاسم، إلا أنه كان يشير إلى أكثر الأمراء نفوذاً، لاسيما ولي العهد الأمير سلطان، ووزير الداخلية الأمير نايف، وحاكم الرياض الأمير سلمان.
" أي السديريون.
كما طالب بفتح تحقيق بريطاني ـ سعودي مستقل في قضية "صفقة اليمامة"، التي اتهم بالضلوع فيها الأمير بندر ووالده الأمير سلطان ولي العهد، اللذان ينتميان للجناح السديري.
الأمير طلال لم يكن ليصرح بهذه التصريحات التي أحرجت عائلة آل سعود وأكدت وجود صراعات بين أفرادها لولا يقينه بعدم حصوله على نصيبه في ملك جده سعود ، فقرر مهاجمة السديريين في توادد ضمني مع الملك عبد الله عله يعده بمنصب أو يضمه تحت جناحه، إضافة إلى أن هذه التصريحات جاءت ردا على إزاحة طلال من مجلس العائلة ، وإحلال أحد الأمراء السديريين محله، وهو أمير منطقة الرياض سلمان، ابن السديرية.
وينبغي هنا عدم الخلط بين هيئة البيعة (التي لا تنص مواد النظام على عدد أعضائها، لكنها من المتوقع أن تزيد عن الأربعين عضواً)، وبين "مجلس العائلة" (الذي يتألف من 18 عضواً، كما ورد في تصريحات الأمير طلال بن عبد العزيز).
فالهيئة تتشكل عضويتها من نسل الملك عبد العزيز فقط (الأبناء وأبناء الأبناء)، وتضطلع بدور سياسي وتمثل مرجعية للحكم، أما المجلس فيضم ممثلين عن عائلة آل سعود بمختلف مكوناتها، وهم معيَّنون من طرف الملك، وليس لهذا المجلس دور في شؤون الحكم أو السياسة، إنما هو ينظر في شؤون العائلة وقضاياها الداخلية.
ومن ضمن النقلات التي قام بها الملك عبد الله لصالحه وضد جناح السديريين عندما وضع نظام البيعة، هو إلغاء منصب النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء(الملك)، الذي استُحدث في الستينيات، حيث يعتبر المرتبة الثالثة في تسلسل الحكم، وكل الذين شغلوه تسلموا سدة الُملك بعد خلو المنصبين الأولين.
إلا أنه وبعد وفاة الملك فهد عام 2005، ومبايعة ولي العهد آنذاك عبد الله ملكاً على البلاد، وخلو منصب النائب الثاني بعد تسلم الأمير سلطان ولاية العهد، توقع كثيرون أن يعين الملك عبد الله الأميرَ نايف نائباً ثانياً له، وذلك لنفوذه وخبرته وأقدميته، إلا أن الملك كسر التقليد الذي استمر أكثر من ثلاثة عقود، وأبقى المنصب شاغرا في ضربة اعتبرت موجعة حقا ضد السديريين خاصة الأمير نايف الذي يعد الخاسر الأول في نظام البيعة للملك عبد اللهً.
يرى المختصون في الشأن الملكي السعودي أنه ضمن المكاسب الأخرى لعبد الله في نظام البيعة هو إشراكه للجيل الثاني من سلالة عبد العزيز في صنع قرار الخلافة، ما يعني الحد من سطوة الجيل الأول الذي يتكون من اثنين وعشرين أميراً، والذين تجاوزت أعمارهم السبعين عاماً، هذا الجيل الذي يتمتع بالدهاء والحنكة والتكهن بمكائد الأخوة قبل وقوعها، مما اعتبر هيمنة روحية للملك عبد الله وأبوية تتمتع بالخبرة في سوس القطيع وقدرة على جعل الجيل الجديد تابعا له.
كما أنه أبقى تركيز السلطة في أيدي فئة قليلة (أوليغارشية)، هي نسل عبد العزيز، وكرس إقصاء باقي أسرة آل سعود من توجيه دفة الحكم، وخصوصاً أولاد العمومة (أبناء إخوة الملك عبد العزيز)، وهو المبدأ الذي اعتمده سلفه فهد مما يضيق دائرة الصراع في أسرة عبد العزيز فقط.
أما الحديث عن إشراك النخبة السياسية والأمل في إشراك الإصلاحيين وحتى الإناث في لعبة كرسي الحكم فقد أوصد عبد الله وقبله فهد الباب أمام أي أمل في تكريس ديموقراطية ملكية على الطراز البريطاني أو نحوه.
يقول المختصون إن عبد الله أزاح نصف العوائق الماثلة أمامه مثل إبعاد الإناث والنخبة السياسية وأبناء العمومة من غير أبناء عبد العزيز، وتقليم أظافر السديريين، وحسب رأي هؤلاء المختصين فإن الخطوة القادمة لن تكون إزاحة للسديريين بل ستشهد صراعا محموما بينه وبينهم نظرا لاستعداد أبناء السديرية لمخططاته وتجهيز أنفسهم للمواجهة المقبلة خاصة أنهم يمسكون بالمفاصل الحساسة للمملكة، إضافة إلى انقسام الجمهور المتفرج "المواطنين" بين مشجع ومؤيد للسديريين ومشجعين لعبد الله وابنائه، وإذا كان عبد الله قد قرر تأجيل جولة الصراع داخل أجنحة الأسرة إلى ما بعد خلافته فهل يقبل السديريون بذلك خاصة وأنهم الآن أقوى مما سيكون عليه حالهم في المستقبل؟.. الإجابة على هذه التساؤلات لن تكون بعيدة زمنيا لأن كل واحد من نسل عبد العزيز تربى على كيفية التربص بإخوته، ستكون مباراة شيقة ومثيرة قد يكون الرابح فيها هو الجمهور المتفرج الذي ضاق درعا بدسائس هذه العائلة..
|